شرح
دائما مع اللّه في جميع الحالات ؛ كذا حققه العلامة سيدي أحمد الدردير والعلامة سيدي أحمد ابن محمد الصاوي .
ولتمام هذه الفائدة نذكر عبارة الإحياء مع شرحه . وأما أفعاله فذكره خلق السماوات والأرض وغيرها كالجبال والبحار ، فليفهم التالي من ذلك صفات اللّه تعالى وجلاله وعظمته وكمال قدرته ؛ إذ الفعل يدل على الفاعل وهو الذي صدر منه الفعل فتدل عظمته على عظمته وجلاله على جلاله ؛ فينبغي أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل ؛ فمن عرف الحق تعالى رآه في كل شئ فهو منه وإليه وبه وله ؛ يعنى أن معرفة اللّه سبحانه بطريق الأسماء والصفات والأفعال بالكمال لا يكون إلا للّه ، إلا أنا إذا علمنا ذاتا عالمة فقد علمنا شيئا مبهما لا ندري حقيقته لكن ندري أن له صفة العلم وإن كانت صفة العلم معلومة لنا حقيقة كان علمنا بأنه عالم أيضا علما تاما بحقيقة هذه الصفة وإلا فلا ؛ ولا يعرف أحد حقيقة علم اللّه تعالى إلا من له مثل علمه وليس ذلك إلا له جل وعز ، فلا يعرفه سواه تعالى وإنما يعرفه بالتشبيه بعلم نفسه ، وعلم اللّه لا يشبهه علم الخلق البتة ، فلا تكون معرفته به معرفة تامة أصلا بل إيهامية تشبيهية ، وكذلك الحاصل عندنا من قدرة اللّه تعالى ، وأنه ثمرة وصفه وأثره وجود الأشياء ، وينطلق عليه اسم القدرة ، لأنه يناسب قدرتنا كمناسبة لذة الجماع لذة السكر ، وهذا كله بمعزل عن حقيقة تلك القدرة . نعم كلما ازداد العبد إحاطة بتفاصيل المقدورات وعجائب الصنائع في ملكوت الأرض والسماوات كان حقه من معرفة صفة القدرة أوفر ، لأن الثمرة تدل على المثمر ، وإلى هذا يرجع تفاوت العارفين في معرفة اللّه تعالى ، فمن قال لا أعرف إلا اللّه فقد صدق ، فإنه ليس في الوجود إلا اللّه وأفعاله ، فإذا نظر إلى أفعاله من حيث هي أفعاله وكان مقصور النظر عليها ولم يرها من حيث إنها سماء وأرض وشجر ، بل من حيث إنها صفة ، فلم تجاوز معرفة حضرة الربوبية فيمكنه أن يقول : ما أعرف إلا اللّه ولا أدرى إلا اللّه ، وهذا معنى قول المصنف : أي الغزالي : فمن رأى الحق رآه في كل شئ الخ ، ولو تصور شخص لا يرى إلا الشمس ونورها المنتشر في الآفاق يصح أن يقول : ما أرى إلا الشمس ، فإن النور الفائض منها هو من جملتها ليس خارجا عنها ، وكل ما في الوجود نور من أنوار القدرة الأزلية وأثر من آثارها ؛ وكما أن الشمس ينبوع النور الفائض علي كل موجود فليس في الوجود إلا اللّه ، ومن عرفه عرف أن كل شئ ما خلا اللّه باطل ، وأن كل شئ هالك إلا وجهه لا أنه سيبطل ويهلك في حال ثان : أي في وقت من الأوقات ، بل هو الآن باطل وهالك أزلا وأبدا لا يتصور إلا كذلك ، فإن كل شئ إن اعتبر ذاته من حيث هو : أي من حيث ذاته فهو عدم محض إلا أن يعتبر وجوده من حيث إنه موجود باللّه عز وجل وقدرته : أي من الوجه الذي يسرى إليه الوجود من الأول ، فيكون له بطريق التبعية ثبات أي وجود إلا في ذاته ، لكن من الوجه الذي يلي موجده ، فيكون الموجد أصالة وجه اللّه فقط ، وبطريق الاستقلال والأصالة بطلان محض .