تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩

[ أقسام النفس ومراتبها ]

( عقبة العوائق ) فيحتاج إلى قطعها بأربعة أمور : التّجرّد عن الدنيا والتّفرّد عن الخلق والمحاربة مع الشّيطان والقهر للنّفس ، فأمّا النّفس فأشدّها إذ لا يمكنه التّجرّد عنها ولا أن يقهرها بمرّة ويقمعها كالشّيطان ،
شرح
أي في احتياجه إلى دفع هذه العوائق والموانع ( عقبة العوائق فيحتاج إلى قطعها بأربعة أمور ) أحدها ( التجرد عن الدنيا ) والزهد فيها لتستقيم له العبادة وتكثر ، فان الرغبة في الدنيا تشغله . ( و ) ثانيها ( التفرد عن الخلق ) لتسلم له عبادته عن دواعي الزياء والتزين . ( و ) ثالثها ( المحاربة مع الشيطان ) لأنه عدو مضل مبين ومجبول على عداوته . ( و ) رابعها ( القهر للنفس ) لأنه أضر الأعداء ، وبلاؤها أصعب البلاء ، وعلاجها أعسر الأشياء ، وإليه أشار بقوله ( فأما النفس فأشدها ) أي الأمور الأربعة مجاهدة ( إذ لا يمكنه التجرد عنها ولا أن يقهرها بمرة ) أي بالكلية ( و ) لا ( يقمعها ) أي يذلها ويقهرها ، وقمعه وأقمعه : أي قهره وأذله كما في المختار ( كالشيطان ) وسائر الأعداء ، والمراد بالنفس هنا : المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الانسان ، وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف ، لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات فيقولون لا بد من مجاهدة النفس وكسرها ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسّلام « أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك » والنفس بهذا المعنى لا يتصور رجوعها إلى اللّه ، فإنها مبعدة من حضرة اللّه وهي من حزب الشيطان كما قاله الغزالي . قال السيد مرتضى إلا أن صاحبها إذا لوحظ بعين الإمداد وجذبته العناية بأزمة السداد أهزل من أنفتها ما كان سمينا ، وحقر من افتخارها ما كان سمينا وأفرضها من الرياضة في جبل صعب المسالك ، بعيد الذرى والمدارك ، ليس لعشاق الرياسة له من سبيل ، ولا للهمم الدنية عليه تعويل اه . والنفوس سبعة بحسب أوصافها ، وإلا فهي واحدة : الأولى النفس الأمارة بالسوء ، وهي مأخوذة من قوله تعالى« إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ »وهي التي لا تأمر صاحبها بخير خالص من العلل ، فلا ينافي أنها قد تأمر بخير معلول ، فإذا جاهدها صاحبها وخالفها في شهواتها حتى أذعنت لاتباع الحق وسكنت تحت الأمر التكليفي ، ولكنها تغلب صاحبها في أكثر أحوالها ، ثم ترجع إليه باللوم على ما وقع سميت لوامة وهي الثانية ، مأخوذة من قوله تعالى« وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ »فإذا أخذ في المجاهدة والكد حتى مالت إلى عالم القدس واستنارت بحيث ألهمت فجورها وتقواها سميت ملهمة وهي الثالثة ، مأخوذة من قوله تعالى« فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها »وعلامتها أن يعرف صاحبها دسائسها الخفية الدقيقة من الرباء والعجب وغير ذلك ، فإذا لزم المجاهدة حتى زالت عنها الشهوات وتبدلت الصفات المذمومة بالمحمودة ، وتخلقت بأخلاق اللّه تعالى الجمالية من الرأفة والرحمة واللطف والكرم والود سميت مطمئنة وهي الرابعة ، هذه وما بعدها إلى السابعة مأخوذة من قوله تعالى« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي »