تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
شرح

[ بيان عين اليقين وعلم اليقين وحق اليقين والنظر في أفعال اللّه تعالى ]

« وَادْخُلِي جَنَّتِي ». وهذا المقام مبدأ الوصول إلى اللّه تعالى ولكنها لا تخلو من دسائس خفية جدا كالشرك الخفي وحب الرياسة إلا أنها لخفائها ودقتها لا يدركها إلا أهلها الذين نور اللّه بصائرهم ، لأن ظاهرها الصلاح والاتصاف بالصفات الحميدة من الكرم والحلم والتوكل والزهد والورع والشكر والصبر والتسليم والرضا بالقضاء مع انكشاف بعض أسرار ، وانخراق بعض عادات وظهور بعض كرامات ، فلربما ظن صاحبها أنه الامام الأعظم ، وأن مقامه هو المقام الأفخم ، وهذه من جملة الدسائس . فإذا أدركته العناية الإلهية ، واستند إلى شيخه بالكلية ، ولازم المجاهدة حتى تمكن من الصفات المحمودة وانقطع عنه عرق الرياء ، وصارت نفسه ذليلة ، واستوى عنده المدح والذم ، ودخلت في مقام الفناء ورضيت بكل ما يقع في الكون من غير اعتراض أصلا ، سميت راضية وهي الخامسة ولكن رؤية الفناء والإخلاص ربما أوقع في شئ من الإعجاب فيرجع به القهقرى ، فليستعذ باللّه من ذلك مع مداومة الذكر والالتجاء إلى اللّه ، وملاحظة أنه لا يتم له الخلاص إلا بمدد الشيخ ؛ فإذا فنى عن الفناء ، وخلص من رؤية الإخلاص : تجلى عليها بالرضى ، وعفا عن كل ما مضى ، وتبدلت سيئاتها حسنات ، وانفتح لها أبواب الأذواق والتجليات ، فصارت غريقة في بحار التوحيد ولذا سميت مرضية ، لأنها بعنايات اللّه مرعية ، وهي السادسة ، إلا أن صاحب الهمة العلية لا يرضى بالوقوف عند هذه المقامات وإن كانت سنية ، بل يسير من الفناء إلى البقاء ، ويطلب الوصول بتمام اللقاء ، فتناديه حقائق الأكوان : أي ذواتها« إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ- وأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى »: أي فلا تلتفت لغيره فإنه فتنة شاغلة لك عن مقصودك ، فإذا صار إلى منازل الأبطال . أي الشجعان ، وخلف الدنيا وراء ظهره ، ناداه ربه بأحسن مقال« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي »فيدخلها ربها في عباد الإحسان ، ويخلع عليها خلع الرضوان ، ويدخلها جنات الشهود ، ويجلسها في مقعد صدق عند الملك المعبود . وفي هذا المقام قد تمت المجاهدة والمكابدة ، ومع ذلك فلا يأمن لنفسه ، بل دائما يتعهدها ويربيها . قال السيد بكرى رحمه اللّه : النفس حية تسعى ولو بلغت مراتبها السبعة اه . وذلك : أي تمام هذه المجاهدة لأن صفات الكمال صارت لها طبعا وسجية ، وتسمى النفس فيه بالكاملة وهي السابعة ، وهي أعظم النفوس قدرا وأكملها فخرا ، ومع ذلك لا ينقطع ترقيها أبدا ، لأن الكامل يقبل الكمال ، فلم تزل تترقى حتى تشهد الحق تعالى قبل الأكوان ؛ ومشاهدته تعالى قبل كل شئ هو المسمى عندهم بالمعاينة ، وهذا عين اليقين بعد أن حازت علم اليقين الذي هو معرفته تعالى بالبراهين ثم حق اليقين ؛ وهي مشاهدته في كل شئ من غير حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال كالمرآة ترى فيها وجهك من غير حلول الوجه فيها ولا اتحاد ؛ وهذا مشهد ذوقي لا يدركه إلا أهله ؛ وصاحب هذا المقام لا يفتر عن العبادة ؛ لأنها صارت طبعه إما باللسان وإما بالجنان وإما بالأركان ؛ فحركاته حسنات ، وأنفاسه عبادات ؛ فهو محفوظ من الوقوع في المخالفات لحضوره