بل حسن الظّنّ بالمسلمين مأمور به .
شرح
بعينه يحتمل أن يكون ورث مالا من مورثه بطريق الشرع أو اكتسبه من وجه طيب فهو بعينه يستحق إحسان الظن به ولا يقول إنه حرام ، ولا يجوز له أن يسأله بل إن كان يتورع ولا يدخل جوفه إلا ما يدرى من أين هو فهو حسن لا بأس به فليتلطف في الترك ، وإن كان لا بد له من أكله فليأكل بغير سؤال ولا بحث إذ السؤال إيذاء له وهتك ستر عنه وإيحاش له وهو حرام بلا شك ، إذ قد ورد الوعيد فيمن آذى أخاه وفيمن هتك ستره . فان قلت : لعل هذا الشخص لا يتأذى بذلك السؤال ، فاعلم أن هذا لعله يتأذى فأنت تسأل حذرا من لعل ، فان قنعت بلعل فلعله ماله حرام . وليس الإثم المحذور في إيذاء مسلم قولا أو فعلا بأقل من الإثم في أكل الشبهة والحرام ، والغالب على الناس حصول الوحشة بالتفتيش والبحث الدقيق ، ولا يجوز له أن يسأل من غيره من حيث يدرى هو به لأن الإيذاء في ذلك أكثر ، وإن سأل من حيث لا يدرى هو ففيه إساءة ظن وهتك ستر وفيه تجسس وفيه تحسين وتزيين للغيبة ، وكل ذلك منهى عنه في الكتاب العزيز ؛ وكم من زاهد جاهل يوحش القلوب في التفتيش ويتكلم بالكلام الخشن المؤذى ، وإنما يحسن الشيطان ذلك عنده ويزينه طلبا للشهرة بين الناس بأكل الحلال ، ولو كان باعثه محض الدين لكان خوفه على قلب مسلم أن يتأذى ويستوحش أشد من خوفه على بطنه أن يدخله مالا يدرى وهو غير مؤاخذ بما لا يدرى إذ لم يكن هناك علامة توجب الاجتناب . وأما الإيذاء والتجسس والاغتياب فإنه مؤاخذ بكل من ذلك ، فليعلم أن طريق الورع الترك دون التجسس ، وإذا لم يكن بد من الأكل فالورع الأكل وإحسان الظن ، وهذا هو المألوف المعروف من أحوال الصحابة رضى اللّه عنهم كما يعرفه من سبر سيرهم ، ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال عن الرشد مبتدع وليس بمتبع سننهم ، فلن يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه ، ولو أنفق ما في الأرض جميعا كما جاء ذلك في الخبر . كيف وقد أكل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طعام بريرة مولاة عائشة رضى اللّه عنها فقيل إنه صدقة فقال « هو لها صدقة ولنا هدية » ولم يسأل عن المتصدق عليها ، فكان المتصدق به عليها مجهولا عنده صلى اللّه عليه وسلم ولم يمتنع كما أخرجه الشيخان من حديث أنس رضى اللّه عنه ( بل حسن الظن بالمسلمين مأمور به ) قال عليه الصلاة والسّلام « خصلتان ليس فوقهما شئ من الخير حسن الظن باللّه وحسن الظن بالمسلمين » . وعن الإمام الشافعي رضي اللّه عنه : من أحب أن يختم له بخير فليحسن الظن بالناس . وقال سيدي الحبيب أبو بكر السكران باعلوى :
مانلت مانلت إلا بحسن الظن في الصالحين وجميع المسلمين . وقال سيدي الحبيب أبو بكر بن عبد اللّه العيدروس باعلوى : ما خسر صاحب حسن الظن وإن أخطأ فإنه غير ملوم ، حسن الظن الكنز الأكبر والاسم الأعظم . احذروا سوء الظن فإنه دليل علي الشقاء ويخشى منه سوء الخاتمة ، وعليكم بزيارة الأولياء والتعرف بهم فهم الوسائط إلى اللّه تعالى . وقال والده سيدي الحبيب عبد اللّه الملقب بالعيدروس : ترك الغيبة مملكة ، وترك النميمة سلطة ، وحسن الظن ولاية ، وهو معنى قول الجنيد