تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
إذا كان ظاهر الإنسان الصّلاح والسّتر فلا حرج عليك في قبول صلته وصدقته ولا يلزم البحث بأن تقول قد فسد الزّمان فإنّ هذا سوء ظنّ بذلك الرّجل المسلم ،
شرح
والشأن ( إذا كان ظاهر الإنسان الصلاح والستر ) عن الفسق ( فلا حرج ) أي لا إثم ( عليك في قبول صلته وصدقته ) أي ذلك الإنسان ( ولا يلزم ) عليك ( البحث ) والتفتيش وذلك ( بأن تقول قد فسد الزمان ) والظلم غالب على الناس فهذا منهم ( فان هذا ) البحث والتجسس وسواس شيطانى و ( سوء ظن بذلك الرجل المسلم ) بعينه ، وإن بعض الظن إثم وباله على صاحبه وهذا الرجل المسلم يستحق باسلامه عليك ألا تسىء الظن به فإنك قد نهيت عنه . قال اللّه تعالى« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ »وعن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث » رواه الشيخان ، فان أسأت الظن بهذا المسلم بعينه لأنك رأيت فسادا من غيره بسوء ظنك فقد جنيت عليه وأثمت به في الحال نقدا من غير شك ، ولو أخذت المال لكان كونه حراما مشكوكا فيه ، لأن كلا من الاعتقادين لهما سببان متقابلان ويدل علي ذلك القبول من غير بحث أنا نعلم أن الصحابة رضى اللّه عنهم في أيام غزواتهم على الكفار وسائر أسفارهم وتحركاتهم كانوا ينزلون في القرى بالضم جمع قرية ولا يردون القرى بالكسر الضيافة ويدخلون البلاد ولا يحترزون من الأسواق التي فيها ، وكان الحرام أيضا موجودا في زمانهم بالكثرة ، وما نقل عنهم سؤال ولا بحث إلا عن ريبة وتهمة إذ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يسأل عن كل ما يحمل إليه في كل أحيانه بل سأل في أول قدومه إلى المدينة مهاجرا عما يحمل إليه أصدقة أم هدية ؟ كما رواه أحمد والحاكم ، لأن قرينة الحال تدل وهو دخول المهاجرين الأولين إلى المدينة وهم فقراء لكونهم خرجوا بأنفسهم مجردين عن أملاكهم فارين بدينهم فغلب على الظن أن ما يحمل إليهم من الطعام يحمل بطريق الصدقة لا غير ، ثم إسلام المعطى ويده لا يدلان على أنه ليس بصدقة ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يدعى إلى الضيافات فيجيب إليها ، ولا يسأل أصدقة أم لا ؟ كما هو مشهور معروف في الصحيحين ، لأن العادة ما جرت بالتصدق بالضيافة ولذلك دعته أم سليم ودعاه الخياط كما في الحديث الذي رواه أنس بن مالك ، وقدم إليه طعاما فيه قرع ودعاه الرجل الفارسي ، فقال صلى اللّه عليه وسلم أنا وعائشة ؟ فقال لاثم أجابه بعده فذهب هو وعائشة رضى اللّه عنها يتساوقان في المشي فقدم إليهما إهالة بالكسر : الودك المذاب ولم ينقل السؤال من ذلك أصدقة أم لا ؟ وسأل أبو بكر رضى اللّه عنه عبده عن كسبه لما رابه من أمره ، وسأل عمر رضى اللّه عنه الذي سقاه اللبن من إبل الصدقة إذ رابه فإنه أعجبه طعمه ، ولم يكن على ما كان يألفه كل مرة وهذه أسباب الريبة فكل من وجد ضيافة عند رجل مجهول لم يكن عاصيا بإجابته من غير تفتيش وبحث ، بل لو رأى في داره تجملا ومالا كثيرا فليس له أن يقول الحلال عزيز قليل ، وهذا الذي أراه كثير فمن أين يجتمع هذا من الحلال ؟ لأن هذا الشخص