تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
شرح
إن الذين يأخذون الجوائز اليوم من السلاطين ويحتجون بابن عمر وعائشة وبغيرهما ما يقتدون بهم ، لأن ابن عمر فرق ما أخذ جميعه حتى استقرض في مجلسه بعد تفرقته ستين ألفا ، وعائشة فعلت مثل ذلك ، وجابر بن زيد قبل ما لا فتصدق به وقال رأيت أنى آخذه منهم وأتصدق أحب إلى من أن أدعها في أيديهم ، وهكذا فعل الشافعي رحمه اللّه بما قبله من هارون الرشيد وهو ألف دينار فإنه فرقه على قريش كله عن قرب حتى لم يمسك لنفسه حبة واحدة . [ الدرجة الرابعة ] ألا يتحقق أن المأخوذ حلال ولا يفرقه بل يستبقى عنده ولكن يأخذه من سلطان أكثر ماله حلال ، وهكذا كان الخلفاء في زمان الصحابة والتابعين بعد الخلفاء الراشدين ولم يكن أكثر مالهم حراما ، ويدل عليه تعليل على رضى اللّه عنه حيث قال فان ما يأخذه من الحلال أكثر وهذا مما جوزه جماعة من العلماء تعويلا على الأكثر . فإذا فهمت هذه الدرجات الأربع تحققت أن إدرارات الظلمة في زماننا لا تجرى مجرى ذلك ، وأنها تفارقه من وجهين قاطعين للنزاع : [ أحدهما ] أن أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها أو أكثرها ؛ وكيف لا والحلال من أموالهم إنما هو بحسب مداخلها مثل الصدقات والفىء والغنيمة ولا وجود لهذه الثلاثة وليس يدخل منها شئ في يد السلطان الآن ولم يبق إلا الجزية المضروبة على الكفار وإنما تؤخذ منهم بأنواع من الظلم لا يحل أخذها به فإنهم يجاوزون حدود الشرع في المأخوذ والمأخوذ منه والوفاء لهم بالشرط ، ثم إذا نسبت ذلك إلى ما ينصب إليهم من الخراج المضروب على المسلمين والمصادرات والرشا وصنوف الظلم لم يبلغ عشر معشار عشيره فلا حول ولا قوة إلا باللّه . [ والوجه الثاني ] أن الظلمة في العصر الأول لقرب عهدهم بزمان الخلفاء الراشدين كانوا مستشعرين من ظلمهم ، ومتشوفين إلى استمالة قلوب الصحابة والتابعين ، وحريصين على قبولهم عطاياهم وجوائزهم . وكانوا يبعثون إليهم من غير سؤال منهم ولا إذلال لمنصبهم بل كانوا يتقلدون المنة بقبولهم ما يرسلون ويفرحون به ، وكانوا يأخذون منهم ويفرقون على المستحقين ، ولا يطيعون السلاطين في أغراضهم صحيحة كانت أو فاسدة ، ولا يغشون مجالسهم ولا يكثرون جمعهم ولا يحبون بقاءهم في الدنيا بل يدعون عليهم بالويل والهلاك ، ويطلقون اللسان فيهم بالكلام ، وينكرون المنكرات منهم ، فما كان يحذر أن يصيبوا من دينهم بقدر ما أصابوا من دنياهم فلم يكن يأخذهم بأس ، فأما الآن فلا تسمح نفوس السلاطين بعطية إلا لمن طمعوا في استخدامه واستصحابه والتكثر به لسوادهم والاستعانة به على أغراضهم الدنيوية والتجمل بغشيان مجالسهم وتكليفهم المواظبة على الدعاء والثناء والتزكية لهم ، والإطراء في حضورهم ومغيبهم ، فلو لم يذل الآخذ منهم نفسه بالسؤال أولا ، وبالتردد في الخدمة ثانيا ، وبالثناء الحسن والدعاء بالبقاء ثالثا ، وبالمساعدة له على أغراضه عند الاستعانة به رابعا ، وبتكثير جمعه في مجلسه وموكبه خامسا وبإظهار الحب والموالاة والمناصرة له على أعدائه سادسا : وبالستر على ظلمه ومقابحه ومفاسده ومساوى أعماله سابعا ، وبالانتساب إليه في أحواله ثامنا ، والتعويل عليه في مهماته تاسعا ، وجر