تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨

[ إذا فرغ العبد من التوبة وحن إلى العبادة فإذا حوله عوائق محدقة به : وهي الدنيا والخلق والشيطان والنفس فيحتاج لا محالة إلى دفع هذه العوائق ]

فيحتاج لا محالة إلى قطعها ليصل إلى ما هو المقصود منها فيأخذ في ذلك بإقامة التّوبة بحقوقها وشرائطها إلى أن يقطعها فلمّا أن حصلت له التّوبة الصّادقة وفرغ من هذه العقبة حنّ إلى العبادة ليأخذ فيها فنظر فإذا حوله عوائق محدقة به ، كلّ واحد منها يعوقه عمّا قصد من العبادة بضرب من التّعويق ، فتأمّل فإذا هي أربعة : الدّنيا والخلق والشّيطان والنّفس ، فاحتاج لا محالة إلى دفع هذه العوائق وإزاحتها عنه ، وإلّا فلا يتأتّى له مراده من العبادة فاستقبلته ههنا .
شرح
من أحكم مقام توبته حفظه اللّه تعالى من سائر الشوائب في الأعمال ، كذا قاله الصاوي في شرحه علي الخريدة ( فيحتاج لا محالة ) بفتح الميم مصدر ميمى من حال يحول ، يقال : لا محالة ، أي لا بد وبالضم اسم مفعول من أحال يحيل ، يقال هو محال : أي باطل كما نقله الجمل عن الكرخي ( إلى قطعها ) وجوازها ( ليصل إلي ما هو المقصود منها ) وهو أمران كما يأتي في بابها توفيق الطاعة وقبولها ( فيأخذ ) أي يشرع ( في ذلك ) أي قطع العقبة ( بإقامة التوبة بحقوقها وشرائطها ) وستأتي في الباب ( إلى أن يقطعها ) أي يتجاوزها ( فلما أن ) زائدة وتطرد زيادتها في موضعين : أحدهما بعد لما كما هنا . والثاني قبل لو مسبوقة بقسم كقوله :فاقسم أن لو التقينا وأنتم * لكان لنا يوم من الشر مظلمكذا قاله الجمل عن السمين ( حصلت له التوبة الصادقة ) أي التي استجمعت شرائطها ( وفرغ من هذه العقبة ) أي قطعها ( حنّ ) أي اشتاق ( إلى العبادة ليأخذ فيها فنظر فإذا ) أي حين إذ نظر ( حوله عوائق ) أي موانع تشغله عنها ( محدقة ) أي محيطة ( به كل واحد منها يعوقه ) أي يمنعه ( عما قصد من العبادة بضرب ) أي بنوع ( من التعويق ) أي المنع والشغل ( فتأمل ) وأمعن النظر في معرفة تلك العوائق ( فإذا هي ) أي العوائق ( أربعة : الدنيا ) لأنها قطعت الطريق علي عباد اللّه ، ولذلك لم ينظر إليها منذ خلقها ( والخلق ) فان أكثرهم يشغلون عن عبادة اللّه ( والشيطان ) فإنه يدعو إلى المعصية وفعل المحرمات . قال بعضهم : الشيطان كل جنّ كافر ، سمى شيطانا لأنه شطن : أي بعد عن رحمة اللّه ، وقيل لأنه شاط بأعماله : أي احترق بسببها . قال الجاحظ : الجن إذا كفر وظلم وتعدى وأفسد فهو شيطان ، فان قوى على حمل المشاق وعلي الشئ الثقيل وعلى استراقه السمع فهو مارد ، فان زاد على ذلك فهو عفريت ، كذا قاله الشبراملسى في حواشي النهاية ( والنفس ) فإنها أبدا تدعو إلى الدعة والراحة والقعود عن عبادة ربها ( فاحتاج ) العبد ( لا محالة إلى دفع هذه العوائق وإزاحتها ) أي إزالتها ( عنه وإلا ) أي وإن لم يدفعها عنه ( فلا يتأتى ) أي فلا يسهل ولا يحصل ( له مراده من العبادة فاستقبلته ههنا )