تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧

[ بيان أن المكلف إذا شرع في العبادة تستقبله عقبة التوبة . وبيان معنى التوبة لغة واصطلاحا وأن المقصود منها أمران ]

سبحانه وتعالى جهد حتّى يتعلّم ما يلزمه من الفرائض الشّرعية ظاهرا وباطنا . فلمّا استكمل العلم والمعرفة بالفرائض انبعث ليأخذ في العبادة ويشتغل بها فنظر فإذا هو صاحب جنايات وذنوب . وهذا حال الأكثر من النّاس فيقول : كيف أقبل على العبادة وأنا مصرّ على المعصية متلطّخ بها فيجب علىّ أوّلا أن أتوب إليه ليغفر لي ذنوبي ويخلّصنى من أسرها ، ويطهّرنى من أقذارها فأصلح للخدمة وبساط القربة ، فتستقبله ههنا ( عقبة التّوبة ) .
شرح
سبحانه وتعالى ) قال بعضهم : والهول الأمر المخيف الشاق ( جهد ) العبد واجتهد ( حتى يتعلم ما يلزمه من الفرائض الشرعية ) كالطهارة والصلاة وغيرهما ( ظاهرا وباطنا ، فلما استكمل العلم والمعرفة بالفرائض ) الشرعية ( انبعث ) أي قام ( ليأخذ ) أي ليشرع ( في العبادة ويشتغل بها فنظر ) من النظر بمعنى إعمال الفكر ومزيد التدبر والتأمل ( فإذا هو صاحب جنايات وذنوب ) هما مترادفان ( وهذا ) المذكور من المصاحبة ( حال الأكثر من الناس فيقول كيف أقبل علي العبادة ) وأشتغل بها ( وأنا مصرّ ) أي مقيم ( على المعصية متلطخ ) أي متلوّث كما في المختار ( بها فيجب عليّ أوّلا ) أي قبل الإقبال على العبادة ( أن أتوب إليه ) سبحانه وتعالى ( ليغفر لي ذنوبي ) ويخلصني أي يجعلني اللّه خالصا ونجاه ( من أسرها ) أي المعصية أي حبسها وقيدها كما في القاموس ( ويطهرني من أقذارها ) جمع فذر ضد النظافة ( فأصلح للخدمة وبساط القربة ) إلى اللّه تعالى أي البساط الذي كل من جلس إليه حصل له القرب وهو تلك الحضرة الإلهية فشبهت ببساط الملك يستريح الوفود إذا وصلوا إليه وجلسوا على بساطه ( فتستقبله ههنا ) في وجوب التوبة ( عقبة التوبة ) أي التوبة الشبيهة بالعقبة بجامع أن كلا منهما طريق صعب على النفس ، وكذا يقال فيما يأتي ، والعقبة في الأصل الطريق الصعب في الجبل ، وليس هذا المعنى مرادا هنا ، بل المراد بها هنا مجاهدة النفس في الطاعات وترك الذنوب المهلكات مطلقا . وقال الحسن هي واللّه عقبة شديدة مجاهدة نفسه وهواه وعداوة الشيطان ، أفاده القرطبي . قال بعضهم : ذكر العقبة ههنا مثل ضرب لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر فجعل كالذي يتكلف صعود العقبة . والتوبة لغة : مطلق الرجوع ، واصطلاحا : الرجوع عما كان مذموما في الشرع إلى ما هو محمود فيه وسيأتي ما هو قريب منه في بابها ، ولها بداية ونهاية ، فبدايتها التوبة من الكبائر ثم الصغائر ثم المكروهات ثم خلاف الأولى ثم من رؤية الحسنات ثم من رؤية أنه صار معدودا من فقراء الزمان ثم من رؤية أنه صدق في التوبة ثم من خاطر له في غير مرضاة اللّه عز وجل ، وأما نهايتها فكلما غفل عن شهود ربه طرفة عين ، بدأ بالتوبة لأنها أساس لكل مقام يرتقى إليه العبد حتى يموت ، فكما أن من لا أرض له فلا بناء له ، فكذلك من لا توبة له فلا حال له ولا مقام ، ومن كلام العارفين :
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 47 | السيد احمد بن زيني دحلان