تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
ولهذا المعنى أنّ اللّه تعالى لمّا عرض الدّنيا على نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم قال له : ولا أنقصك من آخرتك شيئا ،
شرح
قلبه وتوقان نفسه إليه ومنازعتها إياه لا سيما إذا كان مبتدئا في السلوك غمرا لا يعرف خبء النفس ودواهيها ، ولا يفطن لمكرها وآفاتها ، فان ترك ذلك أفضل ، فليتركه حينئذ لأجل اللّه تعالى خوفا أن يشتهيه فيحرص على مثله ويدخل مداخل السوء من أجله ويبيع دينه فيه أو خشة تمكن العادة منه فتتعذر عليه التوبة لدخوله في الشبهات عند اعتياد الشهوات ، لأن العادة جند من جنود اللّه تعالى يقهر العلم لأجله تعذرت الاستقامة ولولا العادة لكنا تائبين ، ولولا الابتلاء لكان التائبون مستقيمين فليترك حينئذ أكل الطيبات إذا صارت شهوات ، وخشي منها مطالبة العادات ودواعي النفس بالآفات ناويا بذلك صلاح قلبه وتسكين نفسه ليملك بذلك نفسه قبل أن تملكه وتعظم عادتها قبل أن تهلكه ويغلب بالترك طبعه وهواه قبل أن يكونا بالشهوة يغلباه وبقدر ما يجاهد نفسه ويترك شهواته يتمتع في الدار الآخرة بشهواته ، وقد كان هذا طريق طائفة من السلف إلى اللّه تعالى ثم انقرضوا فانمحى طريقهم وخلف من بعدهم خلف من العلماء اتبعوا الشهوات ولم يتغالوا في هذه المقامات ولا سلك بهم هذه الطرقات فلم يتكلموا في طرق الشهوات فلذلك درس هذا الطريق وعفا أثره لفقد سالكه وعدم كاشفه فمن عمل به وسلكه فقد أظهره ، ومن أظهره فقد أحيا أهله . قال صاحب القوت : حدثني بعض علمائنا عن بعض المريدين من أهل البصرة قال : نازعتني نفسي خبزا وسمكا فمنعتها فقويت مطالبتها واشتدت مجاهدتى لها عشرين سنة ، قال : فلما مات رآه بعضهم في المنام قال : ماذا فعل اللّه بك ؛ فقال : لا أحسن أن أصف لك ما تلقاني به ربى من النعيم والكرامة ، وكان أول شئ استقبلني به خبز أرز وسمكا ، وقال كل اليوم شهوتك هنيئا بغير حساب ( ولهذا المعنى ) وهو نقصان لذات الآخرة بقدر لذات الآخرة بقدر لذات الدنيا . روى ( أن اللّه تعالى لما عرض الدنيا ) بمفاتيحها وخزائنها ( على نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم قال ) سبحانه وتعالى ( له ) صلي اللّه عليه وسلم ( ولا أنقصك من آخرتك شيئا ) أي جناح بعوضة فأبى أن يقبلها ، قال العراقي هكذا أورده ابن أبي الدنيا مرسلا ، ورواه أحمد والطبراني متصلا من حديث أبي مويهبة في أثناء حديث فيه « إني قد أعطيتك خزائن الدنيا والخلد ثم الجنة » الحديث وسنده صحيح ، ورواه أيضا أحمد والترمذي وابن سعد والطبراني والبيهقي من حديث أبي أمامة أن نبينا صلّى اللّه عليه وسلم قال « إن ربى عرض على أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، فقلت : لا يا رب ، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما ، فأما اليوم الذي أجوع فيه ، فأتضرع إليك وأدعوك ، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثنى عليك » . قال أبو طالب في قوت القلوب : والفقر اختيار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن حسن اختيار اللّه لما خيره من أن يجرى له الأودية مالا ويجعل له ذهبا وفضة
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 496 | السيد احمد بن زيني دحلان