ثمّ لا بدّ في هذه الجملة من طلب الدّنيا والطمع إلى النّاس وتضييع الوقت بسبب كثرة الأكل ما لم يخف . الثّامنة : ما يناله من أمور الآخرة وشدّة سكرات الموت ؛ وروى في الأخبار « إنّ شدّة سكرات الموت على قدر لذّات الدّنيا » فمن أكثر من هذه أكثر له من تلك . التّاسعة : نقصان الثّواب في العقبى ، قال اللّه تعالى :
« أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ »
شرح
( ثم لا بد في هذه الجملة ) التي ذكرناها ( من ) بيان مقدم لقوله ما لم يخف ( طلب الدنيا والطمع إلى ) ما في أيدي ( الناس وتضييع الوقت بسبب كثرة الأكل ما لم يخف ) من باب رمى ( الثامنة ) من الآفات العشرة ( ما يناله ) أي الذي يكثر الأكل ( من أمور الآخرة ) أي من أنواع العقوبة ( وشدة ) الألم في ( سكرات الموت . وروى في الأخبار : إن شدة سكرات الموت على قدر لذات الدنيا ، فمن أكثر من ) تناول ( هذه ) اللذات فقد ( أكثر له ) أي لنفسه ( من تلك ) أي شدة ألم سكرات الموت ، وذلك لأن كل لذيذ يشتهيه الإنسان وتدعو إليه نفسه وتطالبه به ، وأكله اقتضى ذلك بطرا في نفسه وقسوة في قلبه ، وأنسا بلذات الدنيا حتى يألفها ، ويأنس بها ، ويكره الموت ولقاء اللّه تعالى لا محالة ، لأن الفطم عن المألوف صعب ، وتصير الدنيا جنة في حقه ، ويكون الموت سجنا له ومضيقا ، وإذا منع نفسه عن شهواتها وضيق عليها وحرمها لذاتها صارت الدنيا سجنا عليه ومضيقا له فاشتهت نفسه الافلات منها ، فيكون الإفلات إطلاقها من ذلك المضيق والحبس ، وقد روى مسلم من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » ( التاسعة ) من الآفات العشرة ( نقصان الثواب في العقبى ) أي في الآخرة ( قال اللّه تعالى )« وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ » *( أذهبتم ) أي يقال لهم أذهبتم ، وهو ناصب اليوم ( طيباتكم ) لذائذكم ( في حياتكم الدنيا ) باستيفائها ، فلم يبق لكم بعد الاستيفاء شئ منها ، وعن عمر رضى اللّه عنه : لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم لباسا ، ولكن أستبقى طيباتى ( واستمتعتم ) استنفعتم ( بها ) بالطيبات ( فاليوم تجزون عذاب الهون ) أي الذي فيه ذل وخزى ( بما كنتم تستكبرون ) تتكبرون ( في الأرض ) عن الإيمان ( بغير الحق ) بلا حق كان لكم ( وبما كنتم تفسقون ) تكفرون وتعصون في الأرض في الدنيا كما فسره ابن عباس رضى اللّه عنهما .
واعلم أن اللّه تعالى لما وبخ الكافرين بالتمتع بالطيبات آثر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه والصالحون بعدهم اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة . وروى الشيخان عن عمر بن الخطاب قال : « دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا هو متكئ على رمال حصير قد أثر في جنبه فقلت : أستأنس يا رسول اللّه ! قال نعم ، فجلست فرفعت رأسي ، في البيت فو اللّه ما رأيت فيه شيئا