فإنّه بقدر ما تأخذ من لذّات الدّنيا ينقص من لذّات الآخرة ،
شرح
يرد البصر إلا أهبة ثلاثة ، فقلت : ادع اللّه أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم ولا يعبدون اللّه فاستوي جالسا ثم قال أفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت استغفر لي يا رسول اللّه » . وروى الشيخان أيضا عن عائشة قالت « ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم » . ورويا أيضا عنها قالت « كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا إنما هو الأسودان التمر والماء إلا أن نؤتى باللحيم » وفي رواية أخرى « قالت كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم نار . قال عروة : قلت يا خالة ، فما كان يعيشكم ! قالت : الأسودان التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جيران من الأنصار ، وكانت لهم منائح ، فكانوا يرسلون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من ألبانها فتسقينا » وعن ابن عباس قال :
« كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء ، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير » أخرجه الترمذي ، وله عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لقد أخفت في اللّه ما لم يخف أحد وأوذيت في اللّه ما لم يؤذ أحد ، ولقد أتى على ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام إلا شئ يوارى إبط بلال » . وروى البخاري عن أبي هريرة قال « لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم ، فمنها ما يبلغ نصف الساقين ، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته » . وروى أيضا عن إبراهيم بن عبد الرحمن : أن عبد الرحمن بن عوف أتى بطعام وكان صائما فقال : قتل مصعب بن عمير وهو خير منى فكفن في بردة إن غطى رأسه بدت رجلاه وإن غطى رجلاه بدا رأسه قال : وأراه قال : قتل حمزة وهو خير منى فلم يوجد ما يكفن فيه إلا بردة ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط ، وقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ، ثم جعل يبكى حتى ترك الطعام . وقال جابر بن عبد اللّه : رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي فقال :
ما هذا يا جابر ؟ قلت : اشتهيت لحما فاشتريته ، فقال عمر : أو كلما اشتهيت يا جابر اشتريت أما تخاف هذه الآية« أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا »( فإنه ) أي الشأن ( بقدر ما تأخذ من لذات الدنيا ينقص من لذات الآخرة ) فكل من تنعم في الدنيا ولو بسماع صوت من طائر حسن الصوت أو بالنظر إلى خضرة بجنب ماء جار أو تحت شجرة مثلا أو شربة ماء بارد ونحو ذلك فإنه ينقص من حظه في الآخرة أضعافه فان كل ذلك من نعيم الدنيا ، وهو المراد بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم لعمر رضى اللّه عنه « هذا من النعيم الذي تسأل عنه » أشار به إلى الماء البارد . والتعرض لجواب السؤال فيه ذل وخوف وخطر ومشقة وانتظار ، كل ذلك من نقصان الحظ كذا ذكره المصنف في بعض كتبه ، وعلى هذا لا ينبغي للمريد أن يتنعم كل التنعم لأنه لا سبيل إلى إهمال النفس في الشهوات في المباحات واتباعها بكل حال ، فإنه يخشى على المريد أن يتخذه عادة ولا يأمن من تألم