وهذه صفات المكاشفين ، فكان أبو بكر رضى اللّه عنه مكاشفا ، وإليه أشار صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله « ما فضلكم أبو بكر بفضل صوم ولا صلاة ، وإنما هو بشئ وقر في نفسه » وقال الدّرانىّ : أحلى ما تكون العبادة إذا التزق بطني بظهرى . السّادسة أنّ فيه خطر الوقوع في الشّبهة ،
شرح
وفيه ذل النفس واستكانتها وضعفها وانكسارها وفي ذلك حياة القلب وصلاحه ( وهذه ) أي الصفة التي هي ترك الشبع في الأكل وترك الارتواء في الشرب ( صفات المكاشفين ) رضوان اللّه عليهم أجمعين ( فكان أبو بكر ) عبد اللّه بن عثمان التيمي الصديق ( رضى اللّه عنه مكاشفا ) بصيغة اسم المفعول : أي يكشف بالأسرار الإلهية ( وإليه ) أي إلي كونه رضى اللّه عنه مكاشفا بما ذكر ( أشار ) رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « ما فضلكم أبو بكر ) الصديق ( بفضل صوم ) أي بكثرته ( ولا صلاة ) ولا بكثرة رواية للحديث ولا فتوى ولا كلام ( وإنما ) فضلكم ( هو ) أي أبو بكر ( بشئ ) وفي رواية « بسر » ( وقر ) بالبناء للمفعول : أي وضع وأثبت ذلك الشئ ( في نفسه » ) أي في قلبه . قال العراقي : لا أصل لهذا الحديث مرفوعا ، وإنما يعرف في قول بكر بن عبد اللّه المزنى كذلك رواه الحكيم الترمذي في نوادره انتهى . قال العلامة الزبيدي ولفظ الحكيم « ما فضل أبو بكر بكثرة صلاة ولا بكثرة صيام ولكن بسر وقر في صدره » وبكر بن عبد اللّه المزني ثقة سمع من ابن عباس وابن عمر ، وعنه سليمان التيمي ومبارك وخلق ؛ توفى سنة 180 وعزاه ابن القيم إلي أبى بكر بن عياش من قوله ولفظه « ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشئ وقر في قلبه » قال وهذا موضع المثل المشهور :من لي بمثل سيرك المذلل * تمشى رويدا وتجىء في الأولأورد ذلك في بحث أفضلية العلم ، فقال : العلم يعرف بمقادير الأعمال ومراتبها وفاضلها من مفضولها وراجحها من مرجوحها فصاحبه لا يختار لنفسه إلا أفضل الأعمال ، والعامل بلا علم يظن أن الفضيلة في كثرة المشقة فهو يتحمل المشاق وإن كان ما يعانيه مفضولا ، ورب عمل فاضل ، والمفضول أكثر مشقة منه ، واعتبر هذا بحال الصديق رضى اللّه عنه فإنه أفضل الأمة ، ومعلوم أن فيهم من هو أكثر عملا وحجا وصوما وقراءة ، ولذلك قال مصنفنا أبو حامد الغزالي رحمه اللّه : فليكن حرصك واجتهادك في طلب ذلك السر المصون ، فهو الجوهر النفيس والدر المكنون « وفي ذلك فليتنافس المتنافسون » ودع عنك ما تطابق أكثر الناس على تفخيمه وتبجيله وتعظيمه لأسباب ظاهرة ودواع متوافرة يطول تفصيلها في هذا الموضع . ( وقال ) أبو سليمان عبد الرحمن بن أحمد ( الدارانى ) رحمه اللّه : ( أحلى ما تكون العبادة إذا التزق ) أي التصق ( بطني بظهرى ) هو إشارة إلى ما ذكر من وجدان التلذذ في تلك الحالة ، والتصاق الظهر بالبطن كناية عن قلة الأكل . ( السادسة ) من الآفات العشرة ( أن فيه ) أي في كثرة الأكل ( خطر ) أي خوف ( الوقوع في الشبهة )