فيها شيئا ؟ قال : لا إلّا أنّك شبعت ذات ليلة فثقّلناك عن الصّلاة ، قال يحيى عليه السّلام :
لا جرم أنّى لا أشبع بعدها أبدا . قال إبليس : لا جرم أنّى لا أنصح بعدها أحدا أبدا فهذه فيمن لم يشبع في عمره إلّا ليلة ، فكيف بمن لا يجوع في عمره ليلة . ثمّ يطمع في العبادة ؟ وقال سفيان رحمه اللّه : العبادة حرفة ، وحانوتها الخلوة وآلتها المجاعة .
الخامسة أنّ في كثرة الأكل فقد حلاوة العبادة .
شرح
فيها ) أي المعاليق ( شيئا ) من الشهوات ؟ ( قال ) اللعين ( لا ) نجد لك فيها شيئا ( إلا أنك شبعت ذات ليلة فثقلناك عن الصلاة . قال يحيى عليه السّلام : لا جرم ) أي لا بد ، وذكر في الصحاح الجرم : القطع ، وقد جرم النخل واجترمه : أي صرمه ، وقولهم : لا جرم ، قال الفراء : هي كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم وصارت بمنزلة حقا ، فلذلك يجاب عنه باللام كما يجاب بها عن القسم ، ألا ترى أنهم يقولون : لا جرم لآتينك .
وقال قوم : إن لا زائدة ، ونقل في المغنى عن الفراء أن « لا » لا تزاد في أول الكلام ، ويجوز أن يقال إن لا جرم نظير لا بد ، فعل من الجرم : وهو القطع كما أن بد فعل من التبديد : وهو التفريق ( أنى لا أشبع بعدها ) أي تلك الليلة ( أبدأ . قال إبليس ) الملعون ( لا جرم أنى لا أنصح ) أي لا أذكر النصيحة التي ذكرتها لك ( بعدها ) أي بعد هذه المرة ( أحدا أبدا ) . قال المصنف رحمه اللّه تعالى ( فهذه ) أي القصة ( فمن لم يشبع في عمره إلا ليلة ) واحدة كيحيى عليه السّلام ( فكيف ) الحال ( بمن لا يجوع في عمره إلا ليلة ثم يطمع في العبادة . وقال سفيان ) بن سعيد الثوري الكوفي الجامع لأنواع المحاسن ( رحمه اللّه ) وهو من تابعي التابعين ، وتقدمت ترجمته ( العبادة حرفة ) أي صناعة ( وحانوتها ) أي دكانها .
واختلف في وزن الحانوت فقيل أصلها فعلوت ، مثل ملكوت من الملك ، ورهبوت من الرهبة لكن قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها كما فعل بطالوت وجالوت ونحوه ، وقيل أصلها حانوة على فعلوة بسكون العين وضم اللام مثل عرقوة وترقوة ، لكن لما كثر استعمالها خففت بسكون الواو ثم قلبت الهاء تاء كما قيل في تابوت وأصله تابوة في قول بعضهم ، وقال الفارابي : الحانوت فاعول وأصلها الهاء لكن أبدلت تاء لسكون ما قبلها ، والجمع الحوانيت ، والحانوت يذكر ويؤنث فيقال هو الحانوت . وقال الزجاج ، الحانوت مؤنثة فإن رأيتها مذكرة فإنما يعنى بها البيت ورجل حانوتى نسبة على القياس ، والحانة : البيت الذي يباع فيه الخمر ، وهو الحانوت أيضا ، والجمع حانات والنسبة حانى على القياس كذا في المصباح ( الخلوة وآلتها المجاعة ) أي الجوع ، يشير بذلك إلى أن الخلوة والجوع ركنان عظيمان لأساس العبادة ، ولا تتم إلا بهما وفيهما سجن النفس وضيقها ، ويتبع الخلوة الصمت ، ويتبع الجوع السهر ، فهي أركان أربعة كما صرح به الزبيدي . ( الخامسة ) من الآفات العشرة ( أن في كثرة الأكل فقد حلاوة العبادة ) ولذة المناجاة والثأثر بالذكر ، فكم من ذكر