تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦

[ مذهب أهل السنة في الثواب والعقاب والاستدلال عليه ومذهب من خالفهم ]

وبالعقاب الخالد إن عصاه وتولّى عنه . فعند ذلك تبعثه هذه المعرفة واليقين بالغيب على التّشمير للخدمة والإقبال على العبادة لهذا السّيّد المنعم الّذى طلبه فوجده ، وعرفه بعد ما جهله ، ولكنّه لا يدرى كيف يعبده وما ذا يلزمه في خدمته بظاهره وباطنه ، فبعد هول هذه المعرفة باللّه
شرح
( و ) حكم عليه ( بالعقاب الخالد ) في النار ( إن عصاه وتولى ) أي أعرض عنه بعدله تعالى كما في قوله :وإن يثبنا فبمحض الفضل * وان يعذب فبمحض العدلفإثابته تعالى لنا إنما هي بفضله المحض : أي الخالص ، ومعنى الفضل المحض : الإعطاء عن اختيار كامل ، لا عن إيجاب بحيث يثيبنا ولا اختيار له في الإنابة أبدا لكونه علة تنشأ عنها معلولاتها من غير اختيار لها كما يقوله الحكماء ، ولا عن وجوب بحيث تصير الإثابة مستحقة لازمة يقبح عليه تعالى تركها ، فيثيبنا باختباره لكن مع الوجوب كما يقوله المعتزلة ، فمذهب أهل السنة أن إثابته تعالى لنا بالفضل الخالص غير مشوبة بإيجاب ولا وجوب ، فقولنا بالفضل رد لكلام الحكماء ، وقولنا الخالص رد لكلام المعتزلة ، ويدل لمذهب أهل السنة أن طاعات العبد وإن كثرت لا تفي بشكر بعض ما أنعم اللّه به عليه فكيف يتصور استحقاقه عوضا عليها وإن يعذبنا فتعذيبه إنما هو بالعدل المحض ، ومعنى العدل المحض وضع الشئ في محله من غير اعتراض على الفاعل ، ضد الظلم الذي هو وضع الشئ في غير محله مع الاعتراض على فاعله وبالجملة فهو سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية والكل بخلقه ، فليست الطاعة مستلزمة للثواب وليست المعصية مستلزمة للعقاب وإنما هما أمارتان تدلان على الثواب لمن أطاع ؛ والعقاب لمن عصى حتى لو عكس دلالتهما بأن قال : من أطاعني عذبته ، ومن عصاني أثبته لكان ذلك منه حسنا فلا حرج عليه لا يسئل عما يفعل ، وهذا كله بحسب العقل ، وأما بحسب الشرع فلا يجوز خلف الوعد لأنه سفه وهو يستحيل عليه تعالى ، وأما الوعيد فيجوز الخلف فيه لأنه كرم وفضل كما نبه عليه بعضهم ( فعند ذلك ) أي حصول علم اليقين ( تبعثه ) أي تحمله ( هذه المعرفة واليقين بالغيب على التشمير ) أي التهئ ، يقال شمر عن ساقه وشمر في أمره : أي خف ، وتشمر : أي تهيأ ( للخدمة ) أي الطاعة ( والإقبال ) بكنه الهمة ( علي العبادة لهذا السيد المنعم ) جل وعز ، وفي السيد مذاهب ثلاثة : أحدها جواز إطلاقه على اللّه وعلى غيره . ثانيها وينسب للامام مالك أنه لا يطلق علي اللّه أبدا . ثالثها أنه لا يطلق إلا على اللّه ، وفي الكتاب والسنة ما يرد هذا الثالث . قال تعالى في حق يحيى ابن زكريا عليهما السّلام« وَسَيِّداً وَحَصُوراً »وفي الحديث « إن ابني هذا » أي الحسن « سيد » ( الذي طلبه ) أي طلب العبد السيد المنعم ( ووجده وعرفه بعد ما جهله ولكنه ) أي العبد ( لا يدرى كيف يعبده وما ذا يلزمه في خدمته بظاهره وباطنه فبعد هول ) أي مخيف ( هذه المعرفة باللّه