وإن دخل الفضول خرج الفضول كأنّ الطّعام بذر الأفعال ، والأفعال نبت تبدو منه . الثالثة : أنّ في كثرة الأكل قلّة الفهم والعلم فإنّ البطنة تذهب الفطنة ، ولقد صدق الدّارانىّ رحمه اللّه حيث قال : إذا أردت حاجة من حوائج الدّنيا والآخرة فلا تأكل حتّى تقضيها فإنّ الأكل يغيّر العقل ، وهذا أمر ظاهر علمه من اختبره . الرّابعة : أنّ في كثرة الأكل قلّة العبادة ، فإنّ الإنسان إذا أكثر الأكل ثقل بدنه وغلبته عيناه وفترت أعضاؤه فلا يجئ منه شئ وإن اجتهد إلّا النوم كالجيفة الملقاة ؛ ولقد قيل : إذا كنت بطينا فعدّ نفسك زمينا ؛
شرح
من الأفعال والأقوال ( وإن دخل الفضول ) أي فضول الطعام والشراب ( خرج الفضول ) مما ذكر من أحواله ( كأن الطعام ) والشراب ( بذر الأفعال و ) كأن ( الأفعال نبت تبدو ) أي تظهر تلك الأفعال ( منه ) أي من ذلك النبت . ( الثالثة ) من الآفات العشرة ( أن في كثرة الأكل قلة الفهم والعلم ) بالحكمة الإلهية ( فإن البطنة ) بكسر الباء مع سكون الطاء : أي الامتلاء من الطعام . وفي أمثالهم : البطنة تأفن الفطنة : أي تنقص الفهم ، كذا ذكره الحريري في مقاماته ( تذهب ) بضم التاء من أذهب الرباعي ( الفطنة ) بالكسر : أي الحذق والفهم ، وقد تفسر بجودة تهىء النفس لتصور ما يرد عليها من الغير ويقابلها الغباوة ، بل ذكر المصنف في الإحياء أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء وعودوا كل جسم ما اعتاد » ( ولقد صدق ) أبو سليمان عبد الرحمن بن أحمد الزاهد ( الدارانى رحمه اللّه ) المشهور أحد رجال الطريقة كان من جملة السادات وأرباب الجد في المجاهدات ، وكانت وفاته سنة خمس ومائتين ، وقيل سنة خمس عشرة ومائتين ، والدارانى بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مفتوحة ، وبعد الألف الثانية نون نسبة إلى داريا : وهي قرية بغوطة دمشق ، والنسبة إليها على هذه الصورة من شواذ النسب ، والياء في داريا مشددة كما في سراج السالكين ( حيث قال : إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها ) أي تلك الحاجة ( فإن الأكل يغير العقل ) . قال المصنف ( وهذا ) أي ما قاله الدارانى ( أمر ظاهر ) واضح ( علمه ) أي هذا الأمر ( من اختبره ) أي جربه وجهله من لم يختبره ولم يجربه . ( الرابعة ) من الآفات العشرة ( أن في كثرة الأكل قلة العبادة ، فإن الإنسان إذا أكثر الأكل ) أكثر الشرب وإذا أكثر الشرب ( ثقل بدنه ، و ) إذا ثقل بدنه ( غلبته عيناه وفترت ) أي ضعفت ( أعضاؤه فلا يجئ منه ) أي الإنسان الذي يكثر الأكل ( شئ ، وإن اجتهد إلا النوم كالجيفة الملقاة ) أي المطروحة في الأرضي . ( ولقد قيل : إذا كنت بطينا ) أي عظيم البطن من كثرة الأكل أو أكولا كما قاله العلامة عبد الحق ( فعد نفسك زمينا ) أي صاحب زمانة : وهو مرض يدوم زمانا طويلا كما في المصباح ، وذكر في