في جوفه حرام فهذه هذه .
وأمّا فضول الحلال فإنّه آفة العبّاد وبليّة أهل الاجتهاد ، فإنّى تأمّلت فوجدت فيه عشر آفات هنّ أصول في هذا الشّأن : الأولى : أنّ في كثرة الأكل قسوة القلب وذهاب نوره .
شرح
للقضاء كالصلاة بمحل مغصوب كما صرح به الزبيدي ( في جوفه حرام ) وقد روى عنه أيضا « من أكل حراما لم يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا » وفي مسند الفردوس للديلمي من حديث ابن مسعود « من أكل لقمة من حرام لم يقبل منه صلاة أربعين ليلة ولم تستجب له دعوة أربعين ليلة وكل لحم ينبته الحرام فالنار أولى به ، وإن اللقمة الواحدة من الحرام لتنبت اللحم » . وقال سهل ابن عبد اللّه التستري رحمه اللّه تعالى : من أكل الحرام عصت جوارحه : أي عن الطاعات شاء أم أبى علم أو لم يعلم ومن كانت طعمته حلالا أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات ، وقال أيضا : من لم يكن مطعمه من حلال لم يكشف الحجاب عن قلبه ولم ترفع العقوبة عنه ، وما يبالي بصلاته وصيامه إلا أن يعفو اللّه عنه . وقال أيضا : إنما حرموا مشاهدة الملكوت وحجبوا عن الوصول بشيئين : سوء الطعمة . وبذاء الخلق . وقال بعض العلماء : الدعاء محجوب عن السماء بفساد الطعمة . وقال علي بن الفضيل لأبيه : يا أبت إن الحلال قليل وعزيز ، فقال : يا بنى وإن عز فإن قليله عند اللّه كثير . وقال ابن المبارك : من صلي وفي بطنه طعام من حرام أو علي ظهره سلك من حرام لم تقبل صلاته . وقال يوسف بن أسباط وسفيان الثوري : لا طاعة للوالدين في الشبهة .
وفي وجه التفسير في قوله تعالى« فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً »قيل هو أكل الحرام كما قيل في قوله تعالى« فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً »قيل أكل الحلال ورزقه ، وكان بشر إذا ذكر الإمام أحمد يقول قد فضل علىّ بثلاثة ، وذكر أنه يطلب الحلال لنفسه ولغيره وأنا أطلبه لنفسي . وقال سفيان الثوري رحمه اللّه : من أنفق من الحرام في طاعة اللّه كان كمن طهر الثوب النجس بالبول ، والثوب النجس لا يطهره إلا الماء والذنب لا يكفره إلا الحلال ( فهذه ) الجملة ( هذه ) أي عظيمة .
( وأما فضول الحلال ) وهو ما أخذ من الحلال لشهوة النفس كما يأتي في القسم الثاني من أقسام المباح للمصنف رحمه اللّه ( فإنه ) أي هذا الفضول ( آفة العباد ) بضم العين جمع عابد ، وفي نسخة العبادة ( وبلية أهل الاجتهاد ) في العبادة ( فإني تأملت فوجدت فيه ) أي في فضول الحلال ( عشر آفات هن أصول في هذا الشأن : الأولى ) منها ( أن في كثرة الأكل قسوة القلب وذهاب نوره ) وصفائه وذهاب إيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة ، فإن الشبع يورث البلادة والجمود ، ويعمى القلب بتراكم الحجب عليه ، ويكثر البخار في الدماغ بصعوده من المعدة إليه فيثقل القلب بسببه عن الجريان في ميدان الأفكار ، وعن سرعة الإدراك لما يلقى إليه بل الصبى إذا أكثر الأكل بطل حفظه وفسد ذهنه ،