تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
والشبهة أوّلا ثمّ عن فضول الحلال ثانيا إن كانت لك همّة في عبادة اللّه تعالى ، فأمّا الحرام والشّبهة فإنّما يلزمك التّجنّب لثلاثة أمور : أوّلها حذرا من نار جهنّم قال اللّه تعالى :
( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً )
. وقال النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلّ لحم نبت من سحت فالنّار أولى به » .
شرح
والشبهة أولا ، ثم ) الصيانة ( عن فضول الحلال ثانيا إن كانت لك همة ) علية . قال الزبيدي : الهمة قوة راسخة في النفس طالبة لمعالى الأمور هاربة من سفسافها ( في عبادة اللّه تعالى ، فأما الحرام والشبهة فإنما يلزمك التجنب ) أي التباعد ( لثلاثة أمور : أولها حذرا ) أي تحرزا واجتنابا ( من نار جهنم . قال اللّه تعالى :إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً )أي تعديا من غير أن يكون لهم فيها حق ( إنما يأكلون في بطونهم ) أي ملء بطونهم ( نارا ) أي مثل النار كما قاله الزبيدي . وقال بعضهم : أي يجر إلى النار ويؤول إليها . وعن أبي بردة رضى اللّه عنه أنه صلى اللّه عليه وسلم قال « يبعث اللّه قوما من قبورهم تتأجج أفواههم نارا ، فقيل من هم ؟ فقال ألم تر أن اللّه يقول( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) »أي سيدخلون نارا ، ووجه الاستدلال بها التعريف بأن أكل أموال اليتامى حرام ووعيده شديد . وقال اللّه تعالي« وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ »إلى قوله« وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ »قيل من أكل حراما فقد قتل نفسه لأنه سبب إهلاكها وتعذيبها ، فعرف من ذلك أن أكل أموال الناس بالباطل حرام ، وفي ارتكابه إهلاك النفس ، وقال تعالى« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »ثم قال« فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ »ثم قال« وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ »ثم قال« وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ »فما توعد اللّه ولا تهدد في معصية بمثل ما توعد في أكل الربا ، فإنه عز وجل عظم شأنه بوصفين عظيمين إعظاما له وترهيبا منه حيث جعل أكل الربا في أول الأمر مؤذنا بمحاربة اللّه عز وجل والرسول ، وفي آخره متعرضا للنار بالخلود فيها ، ومن ذلك اشترط للايمان ترك الربا بقوله« إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » *وهي للشرط والجزاء ، ثم أوجب التوبة بعد إعلامه بالظلم منهم في قوله « إن كنتم » إلى آخرها ، ثم نص على تحريمه بقوله تعالى« وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا »ثم توعد بالخلود في النار بقوله« هُمْ فِيها خالِدُونَ » *وهذا من شديد الخطاب وعظيم العذاب ، فلذلك يخاف على مدمن الربا المختوم له به غير التائب منه أن يموت على الكفر لعلة ذكر الخلود ، والآيات الواردة في ذلك لا تحصر . ( و ) أما الأخبار فقد ( قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « كل لحم نبت من سحت ) بضم السين والحاء وسكونها أي حرام ( فالنار أولى به » ) أي من الجنة لتطهره النار عن ذلك باحراقها إياه ، وهذا على ظاهر الاستحقاق : أما إذا تاب أو غفر له من غير توبة وأرضى خصومه أو نالته شفاعة شفيع فهو خارج من هذا الوعيد ، كذا أفاده العلامة