تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
والتّكبّر في مقابلته التّرفّع عن ذلك ، والتواضع الخاصىّ : هو تمرين النّفس على قبول الحقّ ممّن كان وضيعا أو شريفا ، والتّكبّر في مقابلته التّرفّع عن ذلك ، وهو معصية كبيرة وخطيئة عظيمة ؛
شرح
حكمته وقال انتعش رفعك اللّه . وقال جرير بن عبد اللّه : انتهيت إلى شجرة تحتها رجل نائم قد استظل بنطع له وقد جاوزت الشمس النطع فسويته عليه ، ثم إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان الفارسي فذكرت له ما صنعت ، فقال لي يا جرير تواضع للّه في الدنيا فإنه من تواضع للّه رفعه اللّه يوم القيامة ، يا جرير أتدرى ما ظلمة النار يوم القيامة ؟ قلت : لا ، قال : إنه ظلم الناس بعضهم بعضا في الدنيا . وقالت عائشة رضى اللّه عنها : إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة التواضع . وقال يوسف ابن أسباط : يجزى قليل الورع من كثير العمل ، ويجزى قليل التواضع من كثير الاجتهاد . وقال قتادة : من أعطى مالا أو جمالا أو ثيابا أو علما ثم لم يتواضع كان عليه وبالا يوم القيامة . وقيل : أوحى اللّه تعالى إلي عيسى عليه السّلام « إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة أتممها عليك » وقال كعب الأحبار : ما أنعم اللّه على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها للّه وتواضع بها للّه إلا أعطاه اللّه نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الآخرة ، وما أنعم اللّه على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها ولم يتواضع بها للّه إلا منعه اللّه نفعها في الدنيا وفتح له طبقا من النار يعذبه إن شاء أو يتجاوز » وقيل لعبد الملك بن مروان : أي الرجال أفضل ؟ قال : من تواضع عن قدرة ، وزهد عن رغبة ، وترك النصرة عن قوة . وقال يونس بن عبيد البصري وقد انصرف من عرفات لم أشك في الرحمة لولا أنى كنت معهم إني أخشى أنهم حرموا بسببي ، ويقال أرفع ما يكون المؤمن عند اللّه أوضع ما يكون عند نفسه ، وأوضع ما يكون عند اللّه أرفع ما يكون عند نفسه . وقال أبو علي الجوزجاني : النفس معجونة بالكبر والحرص والحسد ، فمن أراد اللّه تعالى هلاكه منع منه التواضع والنصيحة والقناعة ، وإذا أراد اللّه به خيرا لطف به في ذلك ، فإذا هاجت في نفسه نار الكبر أدركها التواضع مع نصر اللّه تعالى ، وإذا هاجت نار الحسد في نفسه أدركتها النصيحة مع توفيق اللّه عز وجل ، وإذا هاجت في نفسه نار الحرص أدركتها القناعة مع عون اللّه عز وجل ، ويقال : لا عز إلا لمن تذلل للّه عزّ وجلّ ، ولا رفعة إلا لمن تواضع للّه عزّ وجلّ ولا أمن إلا لمن خاف اللّه عزّ وجلّ ، ولا ربح إلا لمن ابتاع نفسه من اللّه عزّ وجلّ ، والأخبار والآثار في هذا الباب أكثر من أن تحصى وفيما ذكرنا كفاية لمن تأمل حق التأمل والتدبر ( والتكبر ) الذي ( في مقابلته ) أي التواضع العامي ( الترفع عن ) ذلك أي الاكتفاء بالدون ( والتواضع الخاصي هو تمرين ) أي تليين ( النفس على قبول الحق ممن كان ) سواء كان ( وضيعا ) أي رجلا دنيئا ومخطوط القدر ( أو شريفا ، والتكبر ) الذي ( في مقابلته ) أي التواضع الخاصي ( الترفع عن ذلك ) أي عن قبول الحق من الوضيع ( وهو ) أي الترفع عن القبول ( معصية كبيرة وخطيئة عظيمة ) وكان بعضهم يقول : التواضع هو الاستسلام للحق وترك الاعتراض على الحكم .