تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠

( الفصل الخامس : في البطن وحفظه )

ثمّ عليك يا طالب العبادة بحفظ البطن وإصلاحه فإنّه أشقّ الأعضاء إصلاحا على المجتهد وأكثرها مؤنة وشغلا وأعظمها ضررا وأثرا لأنّه المنبع والمعدن ومنه تهيج الأمور في الأعضاء من قوّة وضعف وعفّة وجماع ونحوه ؛ فعليك إذا بصيانته عن الحرام
شرح
( الفصل الخامس ) هذا آخر الفصول الخمسة التي تتعلق بالأعضاء ( في البطن وحفظه ) من تناول الحرام والشبهة . ( ثم عليك يا طالب العبادة ) الخالصة ( بحفظ البطن ) عما ذكر ( وإصلاحه فإنه أشق الأعضاء إصلاحا على المجتهد ) في العبادة ( وأكثرها ) أي الأعضاء ( مؤنة ) أي ثقلا وشدة ( وشغلا وأعظمها ) أي تلك الأعضاء ( ضررا وأثرا لأنه ) أي البطن ( المنبع والمعدن ) أي للآفات ( ومنه ) أي من البطن ( تهيج ) أي تتحرك ( الأمور في الأعضاء من قوة وضعف وعفة ) أي كف عن الحرام ونحوه . في التعريفات العفة : هيئة للقوة الشهوية متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط هذه القوة والخمود الذي هو تفريطها ، فالعفيف من يباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة ( وجماح ) بالكسر : أي غلبة . في محيط المحيط : جمح الرجل ركب هواه فلم يمكن رده ( ونحوه ) أي المذكورة من القوة وما بعدها ، وبالجملة إن أعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن ، فبها أخرج آدم وحواء عليهما السّلام من دار القرار التي هي الجنة إلى دار الذل والافتقار التي هي الأرض إذ نهيا عن أكل الشجرة فغلبتهما شهواتهما بوسوسة إبليس ألقى في خاطرهما حتى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما ، والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات ومنبع الآفات إذ يتبعها شهوة الفرج وشدة الشبق والهيجان إلى المنكوحات ، ثم تتبع شهوة الطعام والنكاح شدة الرغبة والميل في الجاه والمال اللذين هما وسيلة إلى التوسع في المنكوحات والمطعومات ، ثم يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرعونات وضروب المنافسات والمحاسدات ، ثم تتولد بينهما آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء ، ثم يتداعى ذلك إلى ارتكاب الحقد والحسد والعداوة والبغضاء ، ثم يفضى ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغى والمنكر والفحشاء ، وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة ، وترك سياستها وإهمال ما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء ولو ذلل العبد نفسه بالجوع وضيق به مجاري الشيطان لأذعنت لطاعة اللّه عز وجل ، ولم تسلك سبيل البطر والطغيان على اللّه عز وجل ولم ينجر به ذلك إلي الانهماك في الدنيا وإيثار العاجلة علي العقبى ، وقد ذم اللّه تعالى هذا الإيثار فقال« بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى »ولم يتكالب كل هذا التكالب على الدنيا ؛ وإذا عظمت آفة شهوة البطن ( فعليك إذا ) أي حين عظمت آفة البطن وشق إصلاحه على المجتهد ( بصيانته ) أي البطن ( عن ) تناول ( الحرام