تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
ثمّ حصن التواضع العامىّ أن تذكر مبدأك ومنتهاك وما أنت عليه في الحال من ضروب الآفات والأقذار كما قال بعضهم : أوّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بينهما حامل العذرة ، وحصن التّواضع الخاصىّ هو ذكر عقوبة العادل عن الحقّ المتمادى في الباطل فهذه جملة كافية لمن استبصر ، واللّه الموفّق وولىّ التّوفيق .
شرح
وسئل الفضيل عن التواضع ؟ فقال : تخضع للحق وتنقاد له وتقبله ممن قاله . وسئل الجنيد عن التواضع ، فقال : خفض الجناح للحق ، ولين الجانب لهم . وقال ابن عطاء : التواضع قبول الحق ممن كان . وقال ابن عباس : من التواضع أن يشرب الرجل من سؤر أخيه : وقال حمدون القصار : التواضع أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة لا في الدين ولا في الدنيا . وقال الشبلي : ذلى عطل ذل اليهود : أي المذكور في قوله تعالى« ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا »فهم أذل الخلق ، والمعنى ذلى في نفسي أعظم من ذل اليهود في أنفسهم ، لأن ذلهم قهري وذلى عن علم بما عليه نفسي من النقص وهذا لا يلزم منه جحده لفضل ربه عليه ، لأن ما ذكر من الذل بالنظر إلى نفسه ، وما هو فيه من الفضل جار عليه ربه ، فهو ذليل عزيز كذا ذكره القشيري ( ثم حصن التواضع العامي أن تذكر مبدأك ومنتهاك و ) تذكر ( ما أنت عليه في الحال ) أي الحال الذي بين المبدإ والمنتهى ( من ضروب الآفات ) أي أنواعها ( والأقذار كما قال بعضهم ) وهو مالك بن دينار : ( أولك نطفة مذرة ) أي متغيرة ( وآخرك جيفة قذرة ) أي نتنة ( وأنت فيما بينهما ) أي الأول والآخر ( حامل العذرة ) بفتح العين وكسر الذال المعجمة : أي الغائط أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة مالك بن دينار ، فقال : حدثنا الحسن بن علي بن الخطاب الوراق حدثنا محمد بن عثمان ابن أبي شيبة حدثنا إبراهيم بن العباس الكاتب حدثنا الأصمعي قال : مر المهلب بن أبي صفرة على مالك بن دينار وهو يتبختر في مشيته ، فقال له مالك ما علمت إلا هذه المشية تكره إلا بين الصفين ، فقال له المهلب أما تعرفني ؟ فقال مالك : أعرفك أحسن المعرفة . قال : وما يعرفك منى ؟ قال : أما أولك فنطفة مذرة ، وأما آخرك فجيفة قذرة ، وأنت بينهما تحمل العذرة قال فقال المهلب الآن عرفتني حق المعرفة . وأخرج من طريق سلام بن مسكين عن مالك بن دينار أنه لقى بلال بن أبي بردة والناس يطوفون حوله ، فقال له : أما تعرفني ؟ قال بلي أعرفك ، أولك نطفة ، وأوسطك جيفة ، وأسفلك دودة . قال : فهموا به أن يضربوه . فقال لهم : أنا مالك ابن دينار فركب ومضى ( وحصن التواضع الخاصي هو ذكر عقوبة العادل ) أي المائل والمتجاوز ( عن الحق المتمادى ) أي مديم الغى . في محيط المحيط : تمادي فلان في غيه تماديا لح ودام في فعله ( في الباطل فهذه ) أي الجملة التي ذكرناها ( جملة كافية لمن استبصر ) وتأمل بفكره الصافي عن الشواغل الدنيوية ( واللّه الموفق وولى التوفيق ) .