فيه حتّى يؤدّى لكلّ جزء منه حقّه . ثمّ مقدّمات الأناة ذكر وجوه الخطر في الأمور الّتى تعترض للإنسان وضروب الآفات المخوفة فيها ، وذكر ما في النّظر التّثبّت من السّلامة وما في التّعسّف والاستعجال من النّدامة والملامة . وهذه وأمثالها ممّا يبعث على التّأنّى والتّوقّف في الأمور ويمنع من الاستعجال والتّعسّف ، واللّه تعالى ولىّ العصمة برحمته .
وأمّا الكبر فاعلم أنّه خاطر في رفع النّفس واستعظامها ، والتّكبّر اتّباعه ، والضّعة خاطر في وضع النّفس واحتقارها ، والتّواضع اتّباعه وكلّ واحد منهما
شرح
فيه ) أي في ذلك الأمر ( حتى يؤدى ) العبد ( لكل جزء منه ) أي من الآمر ( حقه ) أي حق الجزء الذي يؤديه . ( ثم مقدمات الأناة ذكر وجوه الخطر في الأمور التي تعترض ) وتحدث ( للانسان و ) في ( ضروب ) أي أنواع ( الآفات المخوفة فيها ) أي في الأمور ( وذكر ما ) بالرفع معطوف على ذكر وجوه ( في النظر ) أي الفكر ( والتثبت من السلامة ) بيان لما : أي السلامة من الآفات المخوفة ( و ) ذكر ( ما في التعسف والاستعجال من الندامة والملامة ، وهذه ) أي الأذكار ( وأمثالها مما يبعث على التأنى والتوقف في الأمور ، و ) مما ( يمنع من الاستعجال والتعسف ، واللّه تعالى ولى العصمة ) أي الحفظ ( برحمته ) ومنته . ( وأما الكبر ) بالكسر : اسم من التكبر ( فاعلم أنه خاطر في رفع النفس واستعظامها ) أي النفس مع النظر إلى الغير بين الاحتقار والذل ؛ ولذلك يسمى الكبر أيضا عزة وتعظما ( والتكبر اتباعه ) أي اتباع خاطر الرفع والاستعظام مع ما ذكر ؛ أما لو استعظم نفسه ولكنه يرى غيره أعظم من نفسه أو مثل نفسه فلا يكون متكبرا عليه ولو استحقر غيره ، ومع ذلك رأى نفسه أحقر لم يتكبر : ولو رأى غيره مثل نفسه لم يتكبر ، بل المتكبر أن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره كما قاله بعض المحققين ( والضعة ) بفتح الضاد وكسرها ( خاطر في وضع النفس واحتقارها ، والتواضع اتباعه ) أي الخاطر ، والتواضع : تفاعل من الوضع بمعنى الخشوع والذل . والفرق بين التواضع والضعة أن التواضع رضا الانسان بمنزلة دون ما تستحقه منزلته ، والضعة وضع الانسان نفسه بمحل يزرى به . والفرق بين التواضع والخشوع أن التواضع يعتبر بالأخلاق والأفعال الظاهرة والباطنة ، والخشوع يقال باعتبار أفعال الجوارح ، ولذلك قيل : إذا تواضع القلب خشعت الجوارح قاله الراغب . وقال ابن القيم : الفرق بين التواضع والمهانة أن التواضع يتولد من بين العلم باللّه وصفاته ومحبته وإجلاله وبين معرفته بنفسه ونقائصها وعيوب عمله وآفاتها فيتولد من ذلك خلق هو التواضع ، وهو انكسار القلب للّه وخفض جناح الذل من الرحمة للخلق . والمهانة : الدناءة والخسة وابتذال النفس في نيل حظوظها كتواضع الفاعل للمفعول به ( وكل واحد منهما )