[ الكلام على الشفاعة ]
ثمّ ما ترجو من شفاعته في الآخرة
شرح
ثم ليكونن من الغافلين » رواه مسلم ( ثم ) ذكر ( ما ترجو من شفاعته ) أي المؤمن ( في الآخرة ) لأن اللّه تعالى بفضله يقبل في المؤمنين شفاعة الأنبياء والصديقين بل شفاعة العلماء والصالحين ، وكل من له عند اللّه تعالى جاه وحسن معاملة فان له شفاعة في أهله وقرابته وأصدقائه ومعارفه فكن حريصا على أن تكتسب لنفسك عندهم رتبة الشفاعة ، وذلك بأن لا تحقر آدميا أصلا ، فان اللّه تعالى خبأ ولايته في عباده ، فلعل الذي تزدريه عنك هو ولى اللّه ، ولا تستصغر معصية أصلا فان اللّه خبأ غضبه في معاصيه فلعل غضب اللّه تعالى فيه ، ولا تستحقر أصلا طاعة فان اللّه تعالى خبأ رضاه في طاعته ، فلعل رضاه فيه ولو الكلمة الطيبة أو اللقمة الصغيرة أو النية الحسنة أو ما يجرى مجراه ، وشواهد الشفاعة في القرآن والأخبار كثيرة . قال اللّه تعالى« وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى »قال الحسن : هي الشفاعة رواه ابن أبي حاتم . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد ، وجعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأعطيت الشفاعة ، وكل نبي بعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة » فهذه شفاعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولآحاد أمته من العلماء والصالحين شفاعة أيضا كما تقدم ذكره حتى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر » وقال صلي اللّه عليه وسلم « يقال للرجل قم يا فلان فاشفع فيقوم الرجل فيشفع للقبيلة ولأهل البيت وللرجل والرجلين على قدر عمله » . وقال أنس : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن رجلا من أهل الجنة بشرف يوم القيامة على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار ويقول : يا فلان هل تعرفني ؟ فيقول لا واللّه ما أعرفك من أنت ؟ فيقول أنا الذي مررت بي في الدنيا فاستسقيتني شربة ماء فسقيتك قال قد عرفت ، قال فاشفع لي بها عند ربك ، فيسأل اللّه تعالى ذكره ويقول إني أشرفت على أهل النار فناداني رجل من أهلها فقال هل تعرفني ؟ فقلت لا ، من أنت ؟ فقال أنا الذي استسقيتنى في الدنيا فسقيتك فاشفع لي عند ربك فشفعني فيه فيشفعه اللّه فيه فيؤمر به فيخرج من النار » والأخبار في ذلك كثيرة .
( تنبيهان : الأول ) اعلم أنه قد أنكر بعض المعتزلة والخوارج الشفاعة في إخراج من أدخل من المذنبين النار وتمسكوا بقوله تعالى« فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ »وقوله تعالى« ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ » .وأجاب أهل السنة بأن هذه الآيات في الكفار . قال القاضي عياض : مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلا ووجوبها سمعا لصريح قوله تعالي« يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا »وقوله« وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى »وقوله« عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً »المفسر بها عند الأكثرين .