تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
شرح
والسّلام « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدى ، والمسجد الأقصى » ، فقد قال الامام الجليل أبو حامد الغزالي رحمه اللّه في كتاب [ آداب السفر ] من كتاب [ الإحياء ] له ما هذا نصه : القسم الثاني ، وهو أن يسافر لأجل العبادة إما لجهاد أو حج إلى أن قال : ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء وقبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء ، وكل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد موته . ويجوز شد الرحال لهذا الغرض ، ولا يمنع من هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدى والمسجد الأقصى » لأن ذلك في المساجد لأنها متماثلة بعد هذه المساجد ولا فرق بين زيارة الأنبياء والأولياء والعلماء في الفضل وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتا عظيما بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه عز وجل . قال الإمام فخر الدين الرازي في المطالب في الفصل الثالث عشر في بيان كيفية الانتفاع بزيارة القبور والموتى : إن الإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوى النفس كامل الجوهر ووقف هناك ساعة وحصل تأثير في نفسه حين حصل من الزائر تعلق بزيارة تلك التربة ، فلا يخفى أن لنفس ذلك الميت تعلقا بتلك التربة أيضا ، فحينئذ يحصل لنفس الزائر الحي ولنفس ذلك الإنسان الميت ملاقاة بسبب اجتماعهما على تلك التربة ، فصار هاتان النفسان شبيهتين بمرآتين صقيلتين متقابلتين بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منها إلى الأخرى ، فكل ما حصل في نفس هذا الزائر الحي من المعارف والبراهين والعلوم الكسبية والأخلاق الفاضلة من الخشوع للّه تعالى والرضا بقضاء اللّه تعالى ينعكس منه نور إلى روح ذلك الإنسان الميت ، وكل ما حصل في ذلك الإنسان الميت من العلوم المشرقة والآثار القوية الكاملة ينعكس منه نور إلى روح هذا الحي الزائر ، وبهذه الطريقة تصير تلك الزيارة سببا لحصول تلك المنفعة الكبرى والبهجة العظمى لروح هذا الزائر ، فهذا هو السبب والأصل في مشروعية الزيارة ، ولا يبعد أن يحصل منها أسرار أخرى أدق مما ذكرنا ، وتمام الحقائق ليس إلا عند اللّه تعالى انتهى كلام الرازي . قال سيدي العلامة أحمد دحلان رحمه اللّه في [ تقريب الأصول لتسهيل الوصول ] : قد صرح كثير من العارفين أن الولي بعد وفاته تتعلق روحه بمريديه فيحصل لهم ببركته أنوار وفيوضات ، وممن صرح بذلك قطب الإرشاد سيدي عبد اللّه بن علوي الحداد فإنه قال رضي اللّه عنه : الولي يكون اعتناؤه بقرابته واللائذين به بعد موته أكثر من اعتنائه بهم في حياته لأنه في حياته كان مشغولا بالتكليف وبعد موته طرح عنه الأعباء ، والحي فيه خصوصية وبشرية وربما غلبت إحداهما الأخرى وخصوصا في هذا الزمان فإنها تغلب البشرية والميت ما فيه إلا الخصوصية فقط . وقال القطب الحداد أيضا : إن الأخيار إذا ماتوا لم تفقد منهم إلا أعيانهم وصورهم ، وأما حقائقهم فموجودة فهم أحياء في قبورهم ، وإذا كان الولي حيا في قبره فإنه لم يفقد شيئا من علمه وعقله وقواه الروحانية بل تزداد أرواحهم بعد الموت بصيرة وعلما وحياة روحانية وتوجها إلى اللّه تعالى ، فإذا توجهت أرواحهم إلى اللّه تعالى في شئ قضاه سبحانه وتعالى وأجراه إكراما لهم ، وهذا معنى قول بعضهم إن لهم التصرف فالتصرف الحقيقي الذي هو التأثير والخلق والإيجاد للّه تعالي وحده لا شريك له ، ولا تأثير للولي ولا غيره