شرح
وإنا إن شاء اللّه بكم لا حقون » قاصدا بالمشيئة سرعة اللحوق بهم ، لأن الموت محقق لا يدخله مشيئة عادة وإياك والمشي على قبور المسلمين بنعل أو بهيمة لا سيما إن بالت أو راثت فإن ثواب زيارتك كلها قد لا يساوى بول دابتك على مسلم واحد ، فإذا وقف الزائر على قبر يزوره فليعتبر به كيف صار تحت التراب ، وانقطع عن الأهل والأحباب ، وعدم رد الجواب ، وصار يتمنى أنه يرجع إلى الدنيا فيعمل صالحا فلا يجاب ، وإن كان قبر سلطان أو أمير فينظر إلى حصول ذلك الذل بعد العز بعد أن قاد الجيوش والعساكر ، وتأنس بالأصحاب والعشائر ، وجمع الأموال والذخائر ، ثم أتاه الموت بغتة على غير ميعاد ، فلم يتركه يتهيأ للزاد ، وإن كانت المقبرة مما دفن فيها أخواته وأصحابه فليتأمل إلى ما كانوا فيه من بلوغ الآمال ، وجمع الأموال ، وبناء الدور ، وغرس البساتين ، وصحة الأجسام ، ولذيذ الطعام ، وينظر كيف انقطعت آمالهم ، ولم تغن عنهم دورهم وأموالهم ، وكيف محا التراب محاسن وجوههم ، وكيف تفرقت في الأرض أعضاؤهم وسائر أجزائهم ، وكيف ترملت من بعدهم نساؤهم ، وتيتمت أطفالهم ، وذلوا بعدهم بعد ما كانوا فيه من العز في حياتهم ؟
وليحذر من الاغترار بالصحة وطول الأمل ، فقد رأينا أصحابنا كلهم أتاهم الموت على غير ميعاد ، ولم يكن في أمل أحد منهم أنه يموت تلك الأيام ، فعن قريب يقع لأحدنا ما وقع لهم ، ويندم أحدنا حيث لا ينفعه الندم ، كذا ذكره أبو عبد اللّه القرطبي في مختصره ، وبالجملة إن فوائد زيارة القبور غير الذي ذكرناه من الاعتبار كثيرة سيما زيارة قبور الأنبياء والصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء والصالحين : منها التوسل بهم إلى اللّه تعالى ، ومنها غير ذلك من أنواع الخيرات ، فقد روى البخاري عن أنس رضى اللّه عنه « أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس فقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك صلّى اللّه عليه وسلّم فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا فيسقون » ثم يتوسل بأهل تلك المقابر أعنى بالصالحين منهم في قضاء حوائجه ومغفرة ذنوبه ، ثم يدعو لنفسه ولوالديه ولمشايخه ولأقاربه ولأهل تلك المقابر ولأموات المسلمين ولأحيائهم وذريتهم إلي يوم الدين ولمن غاب عنه من إخوانه ، ويجأر إلى اللّه تعالى بالدعاء عندهم ويكثر التوسل بهم إلى اللّه تعالي ، لأنه سبحانه وتعالى اجتباهم وشرفهم وكرمهم ، فكما نفع بهم في الدنيا ففي الآخرة أكثر ، فمن أراد حاجة فليذهب إليهم ويتوسل بهم ، فإنهم الواسطة بين اللّه تعالى وخلقه ، ولقد تقرر في الشرع وعلم ما للّه تعالى بهم من الاعتناء وذلك كثير مشهور ، وما زال الناس من العلماء والأكابر كابرا عن كابر مشرقا ومغربا يتبركون بزيارة قبورهم ويجدون بركة ذلك حسا ومعنى .
وقد ذكر الشيخ الإمام أبو عبد اللّه بن النعمان رحمه اللّه في كتابه المسمى ب [ سفينة النجاء لأهل الالتجاء ] بعد كلام ما هذا لفظه : تحقق لدى البصائر والاعتبار أن زيارة قبور الصالحين محبوبة لأجل التبرك مع الاعتبار فإن بركة الصالحين جارية بعد مماتهم كما كانت في حياتهم ، والدعاء عند قبور الصالحين والتشفع بهم معمول به عند علمائنا المحققين من أئمة الدين . قال العلامة ابن حجر ولا يعترض على ما ذكر من أن من كانت له حاجة فليذهب إليهم وليتوسل بهم بقوله عليه الصلاة