فإن قيل فلم جازا الحكم في الابتداء ووجب التّفويض والاستثناء في الإتمام ؟
يقال له لفقد الخطر في الابتداء إذ هو في حال الابتداء ليس بشئ متراخ عنك ولثبوت الخطر في الإتمام إذ هو يقع في وقت متراخ ؛ ففيه الخطران : خطر الوصول لا تدرى هل تصل إلى ذلك أم لا ، وخطر الفساد لا تدرى هل في ذلك صلاح أم لا ، فإذا وجب الاستثناء لخطر الوصول والتّفويض لخطر الفساد فإذا حصلت الإرادة على هذه الشّروط تكون حينئذ نيّة محمودة مخرجة عن حدّ الأمل وآفته فتأمّل جدّا ، فهذه هذه .
واعلم أنّ حصن قصر الأمل ذكر الموت ،
شرح
الحقائق عند الموت وصار الأمر ضروريا ، فمعناه محكوما له بالإجرام كما يحكم لغيره بالايمان ، واكتفى صاحب الشرع بالايمان والنية الحكمية للمشقة في استمرارها بالفعل . وقال أيضا في نية الحسنة يثاب عليها حسنة واحدة ، وفعل الحسنة يثاب عليها عشرة ، لأن الأفعال هي المقاصد والنيات وسائل ، والوسائل أخفض رتبة من المقاصد . وقال الكرماني : من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، فيلزم أن من جاء بنية الحسنة فله عشر أمثالها فلا يبقى فرق بين الحسنة ونية الحسنة . قال السيوطي : لا نسلم أن من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة بل يثاب على نية الحسنة ، فظهر الفرق انتهى . قال الزبيدي : قال بعض الأفاضل وكنت بحثت مع السراج البلقيني بالخشابية بجامع عمرو هل تضعف هذه الحسنة أيضا ، وقلت : ينبغي أن تضعف ، لقوله تعالى« إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها »الآية ، فقال نعم وتضعف من جنس ما هم فيه انتهى ، وهو كلام حسن . ( فإن قيل فلم ) أي لأي شيء ( جاز الحكم في الابتداء ) أي ابتداء العمل ( ووجب التفويض والاستثناء في الاتمام ) أي إتمام العمل ( يقال له ) أي للقائل إنما جاز ، الحكم في ابتداء العمل والتفويض والاستثناء في إتمامه ( لفقد الخطر في الابتداء إذ هو ) أي العمل ( في حال الابتداء ليس بشئ متراخ عنك ولثبوت الخطر في الإتمام إذ هو ) أي الإتمام ( يقع في وقت متراخ ، ففيه ) أي في الاتمام ( الخطران ) الأول ( خطر الوصول لا تدرى هل تصل إلى ذلك ) أي إتمام العمل ( أم لا ) تصل إليه ( و ) الثاني ( خطر الفساد ) أي فساد العمل بسبب إتمامه ( لا تدرى هل في ذلك ) الاتمام ( صلاح أم لا ، فإذا ) أي إذا كان في الاتمام خطران ( وجب الاستثناء ) في الابتداء ( لخطر الوصول ) إلى ذلك ( و ) حب ( التفويض ) في الإتمام ( لخطر الفساد ؛ فإذا حصلت الإرادة على هذه الشروط ) أي من الاستثناء والتفويض في الحالين ( تكون ) أي الإرادة ( حينئذ ) أي حين إذ حصلت على هذه الشروط ( نية ) صحيحة ( محمودة مخرجة عن حد الأمل وآفته ) أي الأمل ( فتأمل جدا ، فهذه ) أي الجملة المذكورة ( هذه ) أي عظيمة . ( واعلم أن حصن قصر الأمل ذكر الموت ) وسكرته ومرارة