تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
شرح
كأسه وصعوبته ، فإنه مقرح للقلوب ، ومبك للعيون ، ومفرق للجماعات ، وهادم اللذات : أي قاطعها وقاطع للاقتيات . قال العلماء : الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف ، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ، ومفارقة وحيلولة بينهما ، وتبدل حال ، وانتقال من دار إلى دار ، والروح باقية بعد مفارقة الجسد إما معذبة وإما منعمة ، وهذا قول أهل السنة والجماعة وفقهاء الحجاز والعراق وغيرهم . ومعنى انقطاع تعلق الروح بالبدن انقطاع تصرفها عنه بخروجه عن طاعتها ، فان الأعضاء آلات للروح تستعملها ، حتى إنها تبطش باليد وتسمع بالأذن وتبصر بالعين وتعلم حقيقة الأشياء بالقلب ، والقلب هنا عبارة عن الروح والروح تعلم الأشياء بنفسها من غير آلة ولذلك قد يتألم بنفسه بأنواع الحزن والغم والكمد ، ويتنعم بأنواع الفرح والسرور . وكل ذلك لا يتعلق بالأعضاء ، فكل ما هو وصف للروح ، فيبقى معها بعد مفارقة الجسد وما هو لها بواسطة الأعضاء فيتعطل بموت الجسد إلي أن تعاد الروح إلى الجسد ، ولا يبعد أن تعاد إلى الجسد في القبر ولا يبعد أن تؤخر إلى يوم البعث . وأهل السنة أثبتوا الإحياء في كل من الحالين ، وأما بين النفختين فهو حال خمود وهمود يموت الخلق بينهما من غير أن يكون بينهما حي سوى الملك الإله الواحد القهار . والدليل على الإحياء في القبر مبنى على صحة ما ورد به الخبر ونزل عليه القرآن من عذاب القبر ، لأن العذاب والألم لا يصح إلا لحي . ومما يعين على ذكر الموت زيارة القبور : أخرج مسلم عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « زوروا القبور فإنها تذكر الموت » وأخرج ابن ماجة والحاكم عن ابن مسعود رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة » . وأخرج الحاكم عن أبي سعيد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة » . وأخرج أيضا عن أنس رضى اللّه عنه مرفوعا « كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجرا » . وأخرج أيضا عن بريدة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولتزدكم زيارتها خيرا » وأخرج أيضا عن أبي ذر قال : قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « زر القبور تذكر بها الآخرة ، واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة ، وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك فإن الحزين في ظل اللّه يتعرض لكل خير » . قال العلماء رضى اللّه عنهم . وينبغي لمن يزور القبور أن يكون جوعان فإن الشبع يحجب العبد عن الاعتبار بالموتى وأن يكون غير عازم على فعل شئ من المعاصي فان العازم في حضرة الشياطين فلا يصح اعتبار ، وأن يكون زاهدا في الدنيا فإن الراغب فيها من لازمه قساوة القلب ، ولذلك عدم غالب الناس الاتعاظ برؤية القبور ، وربما زار أحدهم مشاهد الأولياء ولم يحصل عنده بكاء ولا رقة ، لأن غالب الناس صاروا يجعلون ذلك وسيلة إلى الاجتماع ببعضهم بعضا كالمواضع التي يتنزهون فيها من الأنهار والبساتين . فزر يا أخي القبور وأنت متفكر فيما إليه مصيرك كما كان عليه السلف الصالح ، فسلم عليهم وأنت حاضر القلب خاشع بقولك : السّلام عليكم دار قوم مؤمنين
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 464 | السيد احمد بن زيني دحلان