تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
وإنّما قالوا ذلك على ضرب من الاتّساع . لأنّ النّاوى بالنّيّة المحمودة يكون ممتنعا من الأمل ، فهذا حكم الأمل ، والنيّة المحمودة إذ قد مسّت الحاجة إليها وإلى معرفتها مع أنّها الأصل الأصيل قالوا رحمهم اللّه في حدّها الجامع التّامّ : إنّ النيّة الصّحيحة المحمودة إرادة أخذ عمل مبتدإ به قبل سائر الأعمال بالحكم مع إرادة إتمامه بالتّفويض والاستثناء .
شرح
مباينة وجعلوها مشتقة من الشيء ، والشئ اسم الموجود حتى قالوا : إذا قال الحالف إن شئت دخول الدار فعبدى حر فأراد دخول الدار لا يعتق حتى يدخل ولا تكفي الإرادة ، وأطلنا في كشف كتب اللغة ولم نجد للمشيئة معنى إلا الإرادة ، فهذه التفاسير والتغايرات بين هذه المعاني العشرة يساعد عليها الاستعمال والأصول الموجودة لعدم الترادف ، فتلخص أن النية غير التسعة الباقية لما ذكر من خصوصيتها وخصوصيات كل من التسعة المفقودة في النية ، فيجزم الناظر بالفرق حينئذ ولا يضرّ كون الاستعمال قد يتوسع فيه فيستعمل أراد ومراده نوى أو عزم أو قصد أو عنى ، فإنها متقاربة المعنى حتى يكاد يجزم فيها بالترادف تكثيرا لفوائد اللغة ، وبهذا تظهر الحكمة في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « الأعمال بالنيات » ولم يقل بالإرادات أو غير ذلك فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يرد إلا الإرادة الخاصة المميلة للفعل إلى جهة الأحكام الشرعية كما تقدم في تفسير النية ، كذا أفاده الزبيدي ( وإنما قالوا ذلك ) أي النية المحمودة ضد الأمل ( على ضرب ) أي نوع ( من الاتساع لأن الناوى بالنية المحمودة يكون ممتنعا من الأمل ، فهذا ) أي الذي ذكرناه ( حكم الأمل والنية المحمودة إذ قد مست الحاجة إليها ) أي النية المحمودة ( وإلى معرفتها مع أنها الأصل الأصيل ) أي المحكم ( قالوا ) أي العلماء ( رحمهم اللّه في حدها ) أي في بيان حد النية المحمودة ( الجامع التام : إن النية الصحيحة المحمودة ) هي ( إرادة أخذ عمل مبتدأ به ) أي بذلك العمل ( قبل سائر الأعمال بالحكم ) والجزم ( مع إرادة إتمامه ) أي العمل بالتفويض إلى اللّه تعالى ( والاستثناء ) بمشيئه تعالي . قال الشهاب القرافى : النية قسمان : فعلية موجودة ، وحكمية معدومة فإذا نوى المكلف أول العبادة فهذه نية فعلية ، ثم إذا ذهل عن النية حكم صاحب الشرع بأنه ناو ومتقرب ، فهذه هي النية الحكمية ، أي حكم الشرع ببقاء حكمها لأنه موجود وكذلك الاخلاص والإيمان والنفاق والرياء وجميع أحوال القلب إذا شرع فيها واتصف القلب بها كانت فعلية ، وإذا ذهل عنها حكم صاحب الشرع ببقاء أحكامها لمن كان اتصف بها قبل ذلك حتى لو مات الانسان مغمورا بالمرض حكم صاحب الشرع له بالاسلام المتقدم بالولاية والصديقية وجميع المعارف المتقدمة وإن لم يتلفظ بالشهادة عند الموت ، وعكسه يحكم له بالكفر والنفاق وجميع مساوى الأخلاق وإن كان لا يستحضر فيها شيئا عند الموت ولا يتصف بها ، بل يوم القيامة الأمر كذلك ، ومنه قوله تعالى« إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً »مع أنه لا يكون يوم القيامة مجرما ولا كافرا ، ولا عاصيا لظهور