تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
شرح
ألفاظ ، فالعزم هو الإرادة الكائنة على وفق الداعية ، والداعية ميل يحصل في النفس لما أشعرت به من اشتمال المراد على مصلحة خالصة أو راجحة ، والميل جائز على الخلق ممتنع على اللّه تعالى ، فلا جرم ، لا يقال في حق اللّه تعالي عزم بمعنى أراد الإرادة الخالصة المصممة ، بل عزائم اللّه تعالى طلبه الراجع إلى كلامه النفسي ، فظهر الفرق بين العزم والإرادة . وأما الهم في مثل قوله تعالى« وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ». وفي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « من هم بحسنة » فالظاهر أنه مرادف وأن معناهما واحد ، ويستحيل على اللّه تعالى كما يستحيل العزم . وأما النية فهي إرادة تتعلق بإمالة الفعل إلى ما يقلبه لا بنفس الفعل من حيث هو فعل ، ففرق بين قصدنا لفعل الصلاة وبين قصدنا لكون ذلك قربة أو فرضا أو نفلا أو أداء أو قضاء أو غير ذلك مما هو جائز على الفعل ، فالإرادة المتعلقة بأصل الكسب والايجاد هي المسماة بالإرادة ، ومن جهة أن هذه الإرادة مميلة للفعل إلى بعض جهاته الجائزة عليه تسمى من هذا الوجه نية ، فصارت الإرادة إذا أضيف إليها هذا الاعتبار نية وهذا الاعتبار هو تمييز الفعل عن بعض رتبه جائز على اللّه تعالى ، فإنه سبحانه قد يريد بالفعل الواحد نفع قوم وضر قوم وهداية قوم إلى غير ذلك مما هو جائز على فعله ، غير أن أسماء اللّه توقيفية ، فلا يسمى اللّه تعالى ناويا ويسمي مريدا : هذا إن اقتصر على هذا الاعتبار العام وهو مطلق إمالة الفعل إلى بعض جهاته حكم شرعي فينوى إيقاع الفعل على الوجه الذي أمر اللّه تعالى به أو نهى عنه أو أباحه . ومنهم من يقول : بل أخص من هذا ، وهو أن يميل الفعل إلى جهة التقريب والعبادة ، وعلى التقديرين فيستحيل على اللّه تعالى معناها ، بخلاف المعنى العام ، وتفارق النية الإرادة من وجه آخر ، وهو أن النية لا تتعلق إلا بفعل الناوى ، والإرادة تتعلق بفعل الغير كما يريد معونة اللّه تعالى وإحسانه وليست فعلنا . وأما الشهوة فهي إرادة متعلقة براحات البشر كالملاذّ ودفع الآلام فيستحيل على اللّه تعالى . وأما القصد فهو الإرادة الكائنة بين جهتين كمن قصد الحج من مصر ومن غيرها ، وهو بهذا المعنى مستحيل على اللّه تعالى . وأما الاختيار فهو الإرادة الكائنة بين شيئين فصاعدا ، ومنه قوله تعالى« وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا »أي أرادهم دون غيرهم مضافا إلى اعتقاد رجحان المختار ، وهو جائز على اللّه تعالى . قال تعالى« وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ ». وأما القضاء فهو الإرادة المقرونة بالحكم الخبري ، فقضاء اللّه تعالى لزيد بالسعادة إرادته سعادته مع إخباره بكلامه النفسي عن سعادته ، ومنه قضاء الحاكم إذا أخبر عن حكم اللّه تعالى في تلك الواقعة إخبارا إنشائيا ، ولذلك تعذر نقضه بخلاف الفتيا ، وأما العناية فهي الإرادة المتعلقة بالشئ على نوع من الحصر والتخصيص ، ولذلك قال العوفي :* إياك أعنى واسمعى يا جاره *أي أخصك دون غيرك ، ولم يقل إياك أريد ، ويقولون ما يعنى بكلامه أي ما يخصه به من المعاني التي يحتملها دون غيره ، وهذا التفسير جائز على اللّه تعالى غير أن أسماءه توقيفية ، فلا يقال اللّه عان وإن قيل مريد . وأما المشيئة فالظاهر أنها مرادفة للإرادة . وقالت الحنفية : هي
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 461 | السيد احمد بن زيني دحلان