إنّى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء اللّه ) . وضدّ هذا الأمل فيما قال العلماء النّيّة المحمودة
شرح
عليه ( إني فاعل ذلك ) الشئ ( غدا ) أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة كما ذكره النسفي ( إلا أن يشاء اللّه ) أي إلا متلبسا بمشيئة اللّه تعالى ، بأن تقول إن شاء اللّه ولا تقل لأجل الشئ بغير استثناء ، وذلك أن أهل مكة سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين ، فقال أخبركم غدا ، ولم يقل إن شاء اللّه فلبث الوحي أياما ثم نزلت هذه الآية ، كذا ذكره الخازن في تفسيره ( وضد هذا الأمل ) أي أمل الخاصة ( فيما قال العلماء ) أي العارفون بالكتاب والسنة ، وورد في الحديث أنه صلّى اللّه عليه وسلّم خطب للناس يوما فقال :
« يا أيها الناس اتبعوا العلماء فإنهم سرج الدنيا ومصابيح الآخرة » كذا في العزيزي . وسرج الدنيا :
أي منوروها جمع سراج ، وورد « ثلاثة تضئ في الأرض لأهل السماء كما تضئ النجوم في السماء لأهل الأرض ، وهي المساجد وبيت العالم وبيت حافظ القرآن » ( النية المحمودة ) .
واختلف العلماء في حد النية ، فقال الجوهري : النية العزم . وقال الخطابي : هي قصدك الشئ بقلبك وتحرى الطلب منك له . وقيل : هي : عزيمة القلب . وقال التيمي : هي وجهة القلب وقال البيضاوي : هي عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جانب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا والشرع خصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه اللّه تعالى وامتثالا لحكمه .
وقال النووي : النية القصد ، وهو عزيمة القلب . وتعقبه الكرماني بأن المتكلمين قالوا : القصد إلى الفعل هو ما نجده في أنفسنا حال الايجاد ، والعزم قد يتقدم عليه ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد ففرقوا بينهما من وجهين فلا يصح تفسيره به ، وكلام الخطابي أيضا مشعر بالمغايرة بينهما .
وقال العراقي في شرح التقريب : اختلف في حقيقة النية ؛ فقيل هي الطلب ، وقيل الجد في الطلب ، ومنه قول ابن مسعود : من ينوى الدنيا تعجزه ، أي يجد في طلبها . وقيل القصد للشئ بالقلب . وقيل عزيمة القلب . وقال الزركشي في قواعده : حقيقة النية ربط القصد بمقصود معين ، والمشهور أنها مطلق القصد إلى الفعل . وقال الماوردي : هي قصد الشئ مقترنا بفعله ، فان قصده وتراخى عنه فهو عزم .
[ مهمة ] قال القرافى في كتاب الأمنية : إن جنس النية هو الإرادة ، وهي الصفة المخصصة لأحد طرفي الممكن بما هو جائز عليه من وجود أو عدم أو هيئة دون هيئة أو حالة دون حالة أو زمان دون زمان ، وجميع ما يمكن أن يتصف الممكن به بدلا من خلافه أو ضده أو نقيضه أو مثله غير أنها في الشاهد لا يجب لها حصول مرادها ، وفي حق اللّه تعالى يجب لها ذلك لأنها في الشاهد عرض مخصوص مصرف بالقدرة الإلهية والمشيئة الربانية هي ومرادها ، وفي حق اللّه تعالى معنى ليس بعرض واجبة الوجود متعلقة بذاتها أزلية واجبة النفوذ فيما تعلقت به ؛ ثم الإرادة متنوعة إلي العزم والهم والنية والشهوة والقصد والاختيار والقضاء والقدرة والعناية والمشيئة ، فهي عشرة