والتّوفيق بمنّه ،
شرح
( والتوفيق بمنه ) وكرمه تعالى . ولنذكر طريق معالجة الكبر على الاختصار لأنه يتعين على كل إنسان الخلاص من ورطته إذ هو من المهلكات ولا يخلو أحد من شيء منه ، فإزالته فرض عين كما قاله المصنف أبو حامد وغيره ، ولا تمكن تلك الإزالة بمجرد التمني بل بالمعالجة باستعمال أدويته النافعة في إزالته من أصله ، فأقول : طريق ذلك كما ذكره العلامة ابن سعيد بابصيل مفتى الشافعية وغيره : أن يعرف الإنسان نفسه حق المعرفة ، وذلك بأن يتأمل أن بدايته من أذل الأشياء وأحقرها وهو التراب ، ثم المنى ووسطه من عدم التأهل لاكتساب العلوم والمعارف وحيازة المناصب ونهايته الزوال والفناء والعود إلى مثل بدايته ، ثم إعادته إلى ذلك الموقف الأكبر ، ثم إلى الجنة أو النار ، ومن أظهر ما أشار لكل ذلك قوله تعالى« قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ؟ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ »وقوله تعالى :« هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً »الآيات ، فما صار شيئا مذكورا إلا وهو على أخس الأوصاف والنعوت إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا ، بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يعلم ، فبدأ بموته الذي هو العدم قبل حياته ، وهي الوجود ، وبضعفه قبل قوته ، وبجهله قبل علمه ، وبعماه قبل بصره ، وبصممه قبل سمعه ، وببكمه قبل نطقه ، وبضلالته قبل هداه ، وبفقره قبل غناه ، وبعجزه قبل قدرته ؟ فمن تأمل ذلك ونظائره علم أنه أذل وأحقر من كل ذليل وحقير ، ولا يليق به إلا الذل والتواضع والمهانة ، فتلك أخص أوصافه بأن يعرف ربه ليعلم أنه لا تليق العظمة والكبرياء والجلال إلا له عز وجل بخلاف نفسه ، فإنه لا يليق به الفرح لحظة ، فكيف البطر والخيلاء ولو ظهر له آخر أمره والعياذ باللّه تعالى لربما اختار أن يكون بهيمة ولو كلبا ليصير معها ترابا ولا يكون إنسانا يسمع خطابا أو يلقى عذابا سيما إن كان في علمه تعالى أنه من أهل النار ، فمن هذا حاله وعاقبته كيف يتكبر ويرى نفسه شيئا حتى يعتقد له فضلا ؟ وأي عبد لم يذنب ذنبا يستحق به العقوبة إلا أن يعفو اللّه الكريم بفضله وإحسانه ويجبر الكسر بمنه والرجاء منه ذلك لكرمه وحسن الظن ؛ فمن تأمل ذلك حقيقة التأمل زال عنه النظر لعلمه وعمله ونحوهما وتواضع للّه وفر إليه من كل شيء ، وعلم أنه أحقر وأذل شئ ، كيف وهو يجوز أن يكون عند اللّه شقيا . ومما يظهر التكبر الكامن في النفس ويعلم به من سولت له نفسه أنها متنزهة عنه أن يناظر في مسئلة مع بعض أقرانه ويظهر الحق على يد صاحبه فان اطمأن لقبوله وأعلن بشكره وفضله إذ ظهر له الحق على يديه وكان كذلك مع كل مناظر ظهرت القرائن علي براءته من الكبر ، وإن اختل شرط من ذلك فهو كامن فيه ، فعليه علاجه بالتفكر فيما مر ونحوه إلى أن تنقطع عروقه من نفسه وبأن يقدم أقرانه على نفسه في المجالس ونحوها ، لكن على وجه لا يظن به فيه أظهر تواضعا وإلا كأن يترك صفهم ويجلس مع النعال كان ذلك عين الكبر ، وبأن يجيب دعوة الفقير ويحادثه