فإنّ المتكبّر لا يخرجه اللّه تعالى من الدّنيا حتّى يريه الهوان من أرذل أهله وخدّامه ، والحريص لا يخرجه اللّه تعالى من الدّنيا حتّى يحوجه إلى كسرة أو شربة ولا يجد مساغا ، والمختال لا يخرجه اللّه تعالى من الدّنيا حتّى يمرّغه اللّه ببوله وقذره ؛ وقيل :
من تكبّر بغير حقّ أورثه اللّه تعالى ذلّا بحقّ .
والرّابعة : النّار والعذاب في العقبى على ما روى أنّ اللّه تعالى يقول : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني
شرح
الكلام في ذلك حجة الاسلام رحمه اللّه تعالى ( فإن المتكبر لا يخرجه اللّه تعالى من ) دار ( الدنيا حتى يريه الهوان ) نقيض العز ( من أرذل أهله وخدامه ) أي المتكبر ( والحريص لا يخرجه اللّه تعالى من الدنيا ) أي من دارها ( حتى يحوجه ) اللّه عز وجل ( إلى كسرة ) أي قطعة من الخبز ، وفي [ محيط المحيط ] : الكسرة القطعة من الشئ المكسور ، ومنه الكسرة من الخبز جمعه كسر وكسرات ( أو شربة ) من الماء ، وفي [ محيط المحيط ] الشربة المرة ، ومن الماء ما يشرب دفعة واحدة ، وفيه أيضا الشربة مقدار الري من الماء كالحسوة ( ولا يجد ) أي الحريص ( مساغا ) أي مدخلا سهلا في الحلق ( والمختال ) أي المتكبر المعجب بنفسه ( لا يخرجه اللّه تعالى من الدنيا حتى يمرغه ) بضم الياء وفتح الميم مع كسر الراء المشددة من التمريغ : أي يقلب اللّه ذلك المختال ويلوثه ( ببوله وقذره ) أي وسخه وغائطه . والجمع أقذار كما في محيط المحيط ( وقيل من تكبر بغير حق أورثه اللّه تعالى ذلا ) أي هوانا ( بحق . و ) الآفة ( الرابعة النار والعذاب في العقبى ) أي في الآخرة وذلك ( على ما روى أن اللّه تعالى يقول : الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ) اختلفوا في معنى ذلك ، فقال الكلاباذي : الرداء عبارة عن الجمال والبهاء ، والإزار عبارة عن الجمال والستر والحجاب ، فكأنه قال : لا يليق الكبرياء إلا بي ، لأن من دونى صفات الحدوث ، لازمة له وسمة العجز ظاهرة عليه .
والإزار عبارة عن الإقناع عن الإدراك والإحاطة به علما والكيفية لذاته وصفاته ، فكأنه قال :
حجبت خلقي عن إدراك ذاتي وكيفية صفاتى بالجلال والعظمة . وقال عياض : الكبرياء الكبر ، وهو الترفع على الغير ، بأن يرى لنفسه عليه شرفا ، والعظمة كون الشئ في نفسه كاملا شريفا مستغنيا .
فالأول أرفع من الثاني ، إذ هو غاية العظمة فلذا مثله بالرداء . وقيل الكبرياء الترفع عن الانقياد ، وذلك لا يستحقه إلا الحق ؛ فكبرياء ألوهيته التي هي عبارة عن استغنائه واستعلائه ومثلهما بالرداء إبراز للمعقول في صورة المحسوس ، فكما لا يشارك الرجل في ردائه وإزاره لا يشارك الباري في هذين فإنه الكامل المنعم المنفرد بالبقاء وما سواه ناقص محتاج . وقال العلامة الزبيدي الكبرياء كناية عن كمال الذات . وأعنى بكمال الذات كمال الوجود ، وكمال الوجود يرجع إلى شيئين :
أحدهما دوامه أزلا وأبدا . والثاني أن وجوده هو الوجود الذي يصدر عنه وجود كل موجود ، ومعنى كونهما إزاره ورداءه أنهما من خاص صفاته كما يليق به ( فمن نازعني ) أي جاذبنى