ولا متثبّت متبيّن لم يقع منه توقّف ونظر في الأمور كما يجب ، ويتسارع إلى كلام فيقع في الزّلل ، وإني كلّ طعام فيقع في الحرام والشّبهة ، وكذلك في كلّ أمر فيفوّته الورع وأىّ خير في عبادة بلا ورع ؟ وإذا كان في خصلة الانقطاع عن منازل الخير وحرمان الحاجات وهلاك المسلمين وهلاكه ، ثمّ خطر فوت الورع الّذى هو رأس المال فحقّ للإنسان أن يهتمّ لها بالإزالة وإصلاح النّفس بعدها ، واللّه ولىّ التّوفيق بمنّه وفضله .
( وأمّا الكبر ) فإنّه الخصلة المهلكة رأسا ، أما تسمع قوله تعالى :
( أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ )
شرح
ولا متثبت متبين ) أي طالب للبيان ( لم يقع منه ) أي من الرجل المستعجل ( توقف ونظر في الأمور كما يجب ) من التوقف والتأمل فيها ( ويتسارع إلى كلام فيقع في الزلل و ) يتسارع ( إلى كل طعام ) وشراب ولبس ( فيقع في الحرام والشبهة ، وكذلك ) أي مثل الوقوع في الزلل والحرام ( في كل أمر ) يفعله ( فيفوته ) أي المستعجل ( الورع ، وأي خير ) أي لا خير ( في عبادة بلا ورع ، وإذا كان ) المستعجل ( في خصلة الانقطاع عن منازل ) أي مراتب ( الخير وحرمان الحاجات وهلاك المسلمين وهلاكه ثم ) في ( خطر فوت الورع الذي هو ) أي الورع ( رأس المال ) أي أصله ( فحق ) أي وجب ( للانسان ) المريد لمنازل الخير والاستقامة ( أن يهتم لها ) أي للخصلة التي هي الآفات الأربع ( بالإزالة وإصلاح النفس بعدها ) أي بعد إزالتها ( واللّه ولى التوفيق بمنه وفضله ) تعالى . ( وأما الكبر ) بكسر فسكون اسم من التكبر . قال ابن القوطية : هو اسم من كبر الأمر إذا عظم ، والكبر العظمة والكبرياء مثله ، ويقال كبر الصغير وغيره يكبر من باب تعب كبرا وزان عنب ومكبرا كمسجد فهو كبير ، وكبر الشئ من باب قرب : عظم فهو كبير أيضا والاستكبار مثل التكبر ؛ فالكبر اسم لحالة يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه ، وأن يرى نفسه أعظم من غيره ( فإنه الخصلة المهلكة رأسا ) أي ابتداء غير مستطرد إليه من غيره ( أما تسمع قوله تعالى : أبى ) أي امتنع إبليس من السجود فلم يسجد ( واستكبر ) أي تكبر وتعظم عن السجود لآدم ( وكان من الكافرين ) أي في علم اللّه ، أو صار منهم باستقباحه أمر اللّه تعالى إياه بالسجود لآدم واعتقادا بأنه أفضل منه والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول بالتوسل به كما أشعر به قوله« أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ » *جوابا لقوله« ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ »لا بترك الواجب وحده كما في البيضاوي وقد ذم اللّه تعالى الكبر في مواضع من كتابه فقال تعالى« لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً »وقال تعالى« إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ »وذم الكبر في القرآن كثير ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان »