والحسود غير منصور .
قلت : الحسود كيف يظفر بمراده ، ومراده زوال نعم اللّه تعالى عن عباده المسلمين ، وكيف ينصر على أعدائه وهم عباد اللّه المؤمنون ،
شرح
لك فهو الشاتم لك ؛ وجاء رجل إلى علي بن الحسين رضى اللّه عنهما فنم له عن شخص فقال اذهب بنا إليه فذهب معه وهو يرى أنه ينتصر لنفسه ، فلما وصل إليه قال يا أخي إن كان ما قلت في حقا فغفر اللّه لي ، أو باطلا فغفر اللّه لك . ويقال عمل النمام أضر من عمل الشيطان ، لأن عمله بالمواجهة ، وعمل الشيطان بالوسوسة .
وحكى أنه اشترى من استخف بالنميمة عبدا نودي عليه أنه غير معيب إلا أنه نمام فمكث أياما حتى فتن بينه وبين زوجته بأنه يريد التزوج أو التسري وقال لها خذي الموسى واحلقى بها شعرات من حلقه ليسحره لها فصدقته ، ثم قال الغلام لزوجها إنها تريد ذبحك الليلة فتناوم لترى ذلك ففعل فجاءته لتحلق فقال صدق الغلام ، فلما أهوت إلى حلقه أخذ الموسى وذبحها فجاء أهلها وقتلوه فوقع القتال بين الفريقين بشؤم ذلك النمام ، ولقد أشار سبحانه وتعالى إلى قبح النمام وعظيم الشر المترتب عليه بقوله -يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ- الآية ، عافانا اللّه من ذلك بمنه وكرمه .
[ تنبيه ] الباعث على النميمة إرادة السوء بالمحكى عنه أو الحب للمحكي له أو الفرح بالخوض في الفضول . وعلاجها بنحو ما مر في الغيبة ، ويجب على من حملت النميمة إليه ستة أمور : أن لا يصدق الحامل ، لأن النمام فاسق إجماعا . وقال اللّه تعالى -إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ- وأن ينهاه عن العود لمثله وأن يبغضه في اللّه إن لم تظهر له التوبة وأن لا يحمله ما حكى له علي التجسس والبحث حتى يتحقق لقوله تعالى« اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ »الآية ، وأن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا يحكي نميمته فيقول قد حكي لي فلان كذا فإنه يكون به نماما ومغتابا وآتيا بما عنه نهى .
وقال الحسن رحمه اللّه : من نم لك نم عليك أشار به إلى أن النمام ينبغي أن يبغض وأن لا يؤتمن ولا يوثق بصداقته ، وكيف لا ؟ وهو لا ينفك عن الكذب والغيبة والنميمة والقذف والخيانة والغل والحسد والإفساد بين الناس والخديعة وهو ممن سعى في قطع ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض . قال اللّه تعالى« إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »والنمام منهم ( والحسود غير منصور ) بل هو مغضوب عليه لأنه جاحد لا يرضى بقضاء الواحد كما قاله بعضهم ( قلت الحسود كيف يظفر ) وينال ( بمراده . ومراده ) جملة حالية ( زوال نعم اللّه تعالى عن عباده المسلمين ، وكيف ينصر ) أي الحسود ( على أعدائه وهم ) أي أعداء الحسود ( عباد اللّه المؤمنون ) بل الحسود هو المعذب في قلبه الذي لا يرحم ولا يزال في عذاب دائم في الدنيا وهو حصول الغم والهيام في العقل والوزر إلى موته ، ولعذاب الآخرة أشد