تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
ابن السّمّاك رحمه اللّه : لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من الحاسد ، نفس ذائم وعقل هائم وغمّ لازم . والرّابع : عمى القلب حتّى لا يكاد يفهم حكما من أحكام اللّه عزّ وجلّ ، فلقد قال سفيان الثّورىّ رحمه اللّه : عليك بطول الصّمت
شرح
( ابن السماك رحمه اللّه ) الكوفي مولى بنى عجل ، كان كبير القدر دخل على الرشيد فوعظه وخوفه ( لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من الحاسد ) وهو ( نفس ) أي شخص . قال العلامة عبد الحق : النفس مؤنث إن أريد بها الروح ، نحو« خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ » *وإن أريد بها الشخص فمذكر ، يقال عندي خمسة عشر نفسا ( ذائم ) بالذال المعجمة : أي حقير ، يقال ذأمه يذؤمه ذأما : عابه وحقره وذمه وطرده وخزاه ، مثل ذأمه فهو مذءوم ، كذا في سراج السالكين ( وعقل هائم ) أي متحير ( وغم لازم ) أي لا ينفك ، وقد روى نحو ذلك من قول عمر بن عبد العزيز : ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد : غم دائم ونفس متتابع ، كذا في الرسالة ، وروى أيضا من قول الخليل بن أحمد : ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد : نفس ذائم ، وعقل هائم ، وحزن لائم رواه البيهقي في الشعب . ( والرابع ) من الأشياء الخمسة ( عمى القلب ) أي عدم اهتدائه ( حتى لا يكاد يفهم حكما من أحكام اللّه عز وجل ، فلقد قال سفيان ) بن سعيد ( الثوري رحمه اللّه ) وتقدمت ترجمته ( عليك ) أي الزم ( بطول الصمت ) الصمت هو السكوت والضم لغة فيه كالصمات بالضم أيضا ، وقد صمت صموتا . قال الطيبي : الصمت أبلغ من السكوت لأنه يستعمل فيما لا قوة له للمنطق وفيما له قوة النطق . قال القشيري رحمه اللّه : الصمت سلامة وهو الأصل وعليه ندامة ، إذ ورد عنه الزجر ، فالواجب أن يعتبر فيه الشرع والأمر والنهى ، والسكوت في وقته صفة الرجال كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال ؛ ثم قال : والسكوت على قسمين : سكوت بالظاهر وسكوت بالقلب والضمائر ، فالمتوكل يسكت قلبه عن تقاضى الأرزاق ، والعارف يسكت قلبه مقابلة للحكم بنعت الوفاق ، فهذا بجميل صنعه واثق ، وهذا بجميع حكمه قانع ، وفي معناه قالوا :تجرى عليك صروفه * وهموم سرك مطرقهوربما يكون سبب السكوت حيرة البديهة فإنه إذا ورد كشف عن وصف البغتة خرست العبارات عند ذلك فلا بيان ولا نطق ، وطمست الشواهد هنالك فلا علم ولا حس . قال اللّه تعالى« يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا »فأما إيثار أرباب المجاهدة السكوت ، فلما علموا ما في الكلام من الآفات ثم ما فيه من حفظ النفس وإظهار صفات المدح إلى أن يتميز بين أشكاله بحسن النطق وغير هذا من آفات الخلق ، وذلك نعت أرباب الرياضات ، وهو أحد أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق . وقال بعض الحكماء ، إنما خلق للانسان لسان واحد وعينان وأذنان ليسمع ويبصر أكثر مما يقول ، أي فينبغي أن يكون كلامه أقل من سماعه ورؤيته ، ولذلك حكمة أخرى ، وهي أن العبد لما احتاج إلى أن يسمع ويرى من جهتيه تفضل