تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
قيل له في النّوم بعد موته : أىّ الأعمال أبلغ فيما عندكم ؟ قال الرّضا وقصر الأمل ، فانظر لنفسك أيّها الأخ ، وابذل المجهود في هذا الأصل الكبير فإنّه الأهمّ والأعظم في صلاح القلب والنّفس ، واللّه تعالى ولىّ التّوفيق بفضله ورحمته . وأمّا الحسد فإنّه المفسد للطّاعات الباعث على الخطيئات ،
شرح
وكنت فيمن حمله إلى داره ( قيل له في النوم بعد موته : أي الأعمال أبلغ فيما عندكم ؟ قال ) ابن أوفى ( الرضا ) بحكمه تعالى ( وقصر الأمل ) . وقال الحسن البصري رحمه اللّه : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « أكلكم يحب أن يدخل الجنة ؟ قالوا : نعم يا رسول اللّه . قال قصروا من الأمل وثبتوا آجالكم بين أبصاركم واستحيوا من اللّه حق الحياء » . قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا ، وقال الثوري : ليس الزهد في الدنيا بلبس الخشن ولا أكل الغليظ إنما الزهد قصر الأمل . قال المصنف رحمه اللّه تعالى ( فانظر لنفسك أيها الأخ وابذل المجهود ) والطاقة ( في ) تحصيل ( هذا الأصل الكبير ) الذي هو قصر الأمل ( فإنه ) أي هذا الأصل ( الأهم والأعظم في صلاح القلب والنفس ، واللّه ) سبحانه و ( تعالى ولىّ التوفيق ) والهداية ( بفضله ورحمته ) تعالى . ( وأما الحسد ) وهو كما قال الراغب تمنى زوال نعمة على مستحق لها ، وربما كان معه سعى في إزالتها وفي الصحاح إنه تمنى زوال نعمة المحسود إليك ، وعليه جرى ابن الأثير في النهاية حيث قال إن الحسد أن يرى لأخيه نعمة فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه ، فاتفقوا على أن الحسد تمنى زوال نعمة الغير ، وشرط الراغب كون الغير مستحقا ، والصحاح كون الحاسد يتمنى انقلاب النعمة إليه ، ولذلك قال الزبيدي : إن الحسد تمنى زوال نعمة من يستحق تلك النعمة ، فالحسد يعاند المقادير الإلهية ويطلب وضع الحق في غير موضعه أو زواله عن موضعه . وقال العلامة عبد الحق : هو سخط قضاء اللّه تعالى والاعتراض عليه فيما لا عذر للعبد فيه . وقيل تمنى زوال نعمة المحسود أو حصول معصية له ، وسببه الكبر والعداوة أو خبث النفس أو بخل بنعمة اللّه على عباده ، وهذا أحد مراتب الحسد ، والمرتبة الثانية أن يحب زوال النعمة إليه كما في الصحاح لرغبته في تلك النعمة مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة أو سعة من الرزق نالها غيره وهو يحب أن تكون له ، ومطلوبه تلك النعمة لا زوالها عنه ، ومكروهه فقد النعمة لا تنعم غيره بها ، والمرتبة الثالثة أن لا يشتهى عين تلك النعمة لنفسه ، بل يشتهى مثلها ، فان عجز عن مثلها أحب زوالها عن المنعم عليه كي لا يظهر التفاوت بينه وبين غيره ، فالشق الأول غير مذموم وهو المسمي غبطة ومنافسة ، والشق الثاني مذموم ، والمرتبة الرابعة أن يشتهى لنفسه مثل تلك النعمة فإن لم تحصل فلا يحب زوالها عن المنعم عليه ، وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا ، والمندوب إليه إن كان في الدين ( فإنه المفسد للطاعات الباعث ) أي الحامل ( على الخطيئات ) وهي كثيرة :
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 437 | السيد احمد بن زيني دحلان