ثمّ قول أبى ذرّ الغفارىّ رضى اللّه عنه : الدّنيا ثلاث ساعات : ساعة مضت ، وساعة أنت فيها ، وساعة لا تدرى أتدركها أم لا ؛ فلست تملك بالحقيقة إلّا ساعة واحدة ، إذ الموت من ساعة إلى ساعة ، ثمّ قول شيخنا رحمه اللّه : الدّنيا ثلاثة أنفاس : نفس مضى عملت فيه ما عملت ، ونفس أنت فيه ، ونفس لا تدرى أتدركه أم لا ؛ إذ كم من متنفّس نفسا ففاجأه الموت قبل النّفس الآخر فلست تملك إلّا نفسا واحدا بالحقيقة لا يوما ولا ساعة ، فبادر في هذا النّفس الواحد إلى الطّاعة قبل أن يفوت وإلى التّوبة ، فلعلّك في النّفس الثّانى تموت ، ولا تهتمّ بالرّزق ، فلعلّك لا تعيش
شرح
فبادر في حياتك واغتنم فرصة الإمكان لعل أن تسلم من العقاب والهوان ، وما أحسن ما قيل :إذا هبت رياحك فاغتنمها * فعقبى كل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها * فما تدرى السكون متى يكون
وإن تظفر بذاك فلا تقصر * فإن الدهر عادته يخونوروى الترمذي « ما من ميت يموت إلا ندم ، قالوا وما ندامته ؟ قال : إن كان محسنا أن لا يكون زاد ، وإن كان مسيئا أن لا يكون استعتب » أي تاب وأصلح شأنه ، فلذا يتعين اغتنام ما بقي من العمر إذ هو لا قيمة له : قال ابن جبير : كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة ( ثم ) اسمع ( قول أبي ذر الغفاري رضى اللّه عنه ) بكسر الغين وتخفيف الفاء ، نسبة إلى غفار بن مليك بن ضمرة بن بكر ابن عبد مناف بن كنانة ، وقد تقدمت ترجمته ( الدنيا ثلاث ساعات : ساعة مضت . وساعة أنت فيها ، وساعة لا تدرى أتدركها ) أي الساعة المستقبلة ( أم لا ) تدركها ( فلست تملك بالحقيقة إلا ساعة واحدة إذ الموت من ساعة إلي ساعة ، ثم ) اسمع أيضا ( قول شيخنا ) هو أبو بكر الوراق ( رحمه اللّه : الدنيا ثلاثة أنفاس ) جمع نفس بفتح الفاء ، وهو جزء من الهواء يخرج من البدن في جزء من الزمن ( نفس مضى عملت فيه ما عملت ) من العمل الصالح أو غيره ( ونفس أنت فيه ونفس لا تدرى أتدركه أم لا ، إذ كم من متنفس نفسا ففاجأه الموت قبل النفس الآخر فلست تملك إلا نفسا واحدا بالحقيقة ، لا ) تملك ( يوما ولا ساعة فبادر ) أي أسرع ( في هذا النفس الواحد إلى الطاعة قبل أن يفوت ) أي يذهب هذا النفس عنك ، فإذا فات فلا عود له ، فينبغي لك الأدب معه تعالى ومراقبته في كل نفس من أنفاسك فتكون في كل نفس سالكا طريقا إليه تعالي ، وهو معنى قولهم : الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق . قال بعضهم : إن اليوم ينادى كل وقت بقوله : يا بن آدم أنا يوم جديد وأنا بما عملت فيه شهيد فاغتنمنى فإنك لا تدركنى إذا غربت الشمس ( و ) بادر ( إلى التوبة فلعلك في النفس الثاني تموت ولا تهتم بالرزق ) أي بطلبه ( فلعلك لا تعيش