والثّواب والعقاب وأحوال الآخرة ، وإذا لم يكن شئ من ذلك فمن أين يكون لقلبك رقّة وصفوة ، قال اللّه تعالى :
( فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ )
فإذن أنت إذا طوّلت أملك قلّت طاعتك وتأخّرت توبتك وكثرت معصيتك واشتدّ حرصك وقسا قلبك وعظمت غفلتك عن العاقبة فذهبت - والعياذ باللّه إن لم يرحم اللّه تعالى - آخرتك ، فأىّ حال أسوأ من هذه ؟ وأىّ آفة أعظم من هذه ؟ وكلّ هذا بسبب طول الأمل ؛ وأمّا إن قصّرت أملك وقرّبت من نفسك موتك وتذكّرت حال أقرانك وإخوانك الّذين غافصهم الموت في وقت لم يحتسبوه ،
شرح
فقال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « القبر أول منزل من منازل الآخرة ، فان نجا منه فما بعده أيسر منه ، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه » ويقال : إن الأرض تنادى كل يوم خمس مرات :
أول نداء تقول : يا ابن آدم تمشى على ظهري ومصيرك إلى بطني . والثاني تقول : يا ابن آدم تأكل الألوان على ظهري وتأكلك الديدان في بطني . والثالث تقول : يا ابن آدم تضحك على ظهري فسوف تبكي في بطني . والرابع تقول : يا ابن آدم تفرح على ظهري فسوف تحزن في بطني . والخامس تقول : يا ابن آدم تذنب على ظهري فسوف تعذب في بطني ، فينبغي للعاقل أن يكثر من ذكر القبر قبل أن يدخله ( و ) ذكر ( الثواب ) في الجنة بأنواع نعيمها ( و ) ذكر ( العقاب ) في النار ( و ) ذكر ( أحوال الآخرة ) وشدائدها ، وقد أشبع الكلام على ذلك حجة الإسلام الغزالي في الإحياء فانظره فإنه مهم ( وإذا لم يكن شئ من ذلك ) أي من ذكر الموت والقبر والثواب والعقاب وأحوال الآخرة وأهوالها ( فمن أين يكون لقلبك رقة وصفوة . قال اللّه تعالى« فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ » )أي الزمان بطول أعمارهم وآمالهم ، أو ما بينهم وبين أنبيائهم (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » : )أي خارجون عن دينهم رافضون لما في كتبهم من أجل فرط القسوة ( فاذن ) أي حين إذ علمت قوله تعالى ( أنت إذا طولت أملك ) بطول العمر ( قلت طاعتك وتأخرت توبتك وكثرت معصيتك واشتد حرصك ) وطمعك بطلب الدنيا وجمعها ( وقسا قلبك وعظمت غفلتك عن العاقبة ) أي آخر أمرك ( - فذهب والعياذ باللّه إن لم يرحم اللّه تعالى ) جملة معترضة بين الفعل وفاعله ( آخرتك - فأي حال أسوأ ) أي أكثر سوءا ( من هذه ) أي قسوة القلوب وعظم غفلتها عن العاقبة ( وأي آفة أعظم من هذه ) البليات المذكورة ( وكل هذا ) أي أسوأ الحالات وأعظم الآفات ( بسبب طول الأمل ؛ وأما إن قصرت أملك وقربت من نفسك موتك وتذكرت ) في قلبك ( حال أقرانك ) أي أصحابك وإخوانك وأقاربك ( الذين غافصهم ) أي فاجأهم ( الموت ) في سراج السالكين غافصه مغافصة : فاجأه وأخذه على غرة منه ( في وقت لم يحتسبوه ) أي الموت