تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
والقبر ،
شرح
وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته : ألا ترون أنكم تجهزون كل يوم غاديا أو رائحا إلى اللّه عز وجل تضعونه في صدع : أي شق من الأرض قد توسد التراب وخلف الأحباب وقطع الأسباب أخرجه أبو نعيم في الحلية ، فملازمة هذه الأفكار وأمثالها مع دخول المقابر ومشاهدة المرضى وأهل البلاء هو الذي يجدد ذكر الموت في القلب حتى يغلب عليه بحيث يصير نصب عينيه ، فعند ذلك يوشك أن يستعد له ويتجافى عن دار الغرور ، وإلا فالذكر بظاهر القلب وعذبة اللسان قليل الجدوى والفائدة في التحذير والتنبيه ، ومهما طاب قلبه بشئ من الدنيا ينبغي أن يتذكر في الحال أنه لا بد من مفارقته . نظر عبد اللّه بن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى ، فقال واللّه لولا الموت لكنت بك مسرورا ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ، ثم بكى بكاء شديدا حتى ارتفع صوته . رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت ، ولذلك ينبغي للمؤمن كما قاله العلامة أبو الليث رحمه اللّه أن يكثر ذكر الموت فإنه لا غنية للمؤمن من ست خصال : أولها علم يدله على الآخرة . والثاني رفيق يعينه على طاعة اللّه ويمنعه عن معصيته . والثالث معرفة عدوه والحذر منه . والرابع عبرة يعتبر بها في آيات اللّه وفي اختلاف الليل . والخامس إنصاف الخلق كيلا يكون يوم القيامة خصم . والسادس الاستعداد للموت قبل نزوله لكيلا يكون مفتضحا يوم القيامة ( و ) ذكر ( القبر ) . قال سفيان الثوري رحمه اللّه : من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة ، ومن غفل عنه وجده حفرة من حفر النار ، وروى عن علي كرم اللّه وجهه أنه قال في خطبته : يا عباد اللّه الموت الموت ليس منه فوت إن أقمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم ، الموت معقود بنواصيكم ، فالنجاة النجاة الوحا الوحا ، فإن وراءكم طالبا حثيثا : وهو القبر ، ألا وإن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول : أنا بيت الظلمة ، أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الديدان ، ألا وإن وراء ذلك اليوم يوما أشد من ذلك اليوم ، يوما يشيب فيه الصغير ، ويسكر فيه الكبير ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللّه شديد ألا وإن وراء ذلك اليوم نارا حرها شديد ، وقعرها بعيد ، وحليها حديد ، وماؤها صديد ، ليس للّه فيها رحمة . قال الراوي : فبكى المسلمون بكاء شديدا ، فقال كرم اللّه وجهه : وإن وراء ذلك اليوم جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ، أجارنا اللّه وإياكم من العذاب الأليم ، وأحلنا وإياكم دار النعيم . وروى عن أسيد بن عبد الرحمن أنه قال : بلغني أن المؤمن إذا مات فحمل قال أسرعوا بي ، فإذا وضع في لحده كلمته الأرض وقالت إني كنت أحبك وأنت على ظهري فأنت الآن أحب إلى ، وإذا مات الكافر فحمل قال أرجعوا بي ، فإذا وضع في لحده كلمته الأرض فقالت إني كنت أبغضك وأنت على ظهري ، فأنت الآن أبغض إلى . وروى عن عثمان بن عفان رضى اللّه عنه أنه وقف على قبر فبكى فقيل له إنك تذكر الجنة والنار ولا تبكى وتبكي من هذا فقال