تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
شرح
قال ، قال عمر بن عبد العزيز : ما أحب أن يهون على الموت لأنه آخر ما يؤجر عليه المؤمن . وعن الأوزاعي قال : قال عمر فذكر نحوه . وروى عن جابر بن نوح قال : كتب عمر بن العزيز إلى بعض أهل بيته : أما بعد فإنك إن استشعرت ذكر الموت في ليلك ونهارك بغض إليك كلّ فان ، وحبب إليك كل باق والسّلام ، وروى عن مجمع التيمي قال : ذكر الموت غنى . وعن سميط قال : من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا ولا بسعتها ، وروى ابن أبي الدنيا عن الحسن قال : ما ألزم عبد قلبه ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عنده وهان عليه جميع ما فيها . وعن قتادة قال : كان يقال طوبى لمن ذكر ساعة الموت . وعن مالك بن دينار قال : قال حكيم : كفي بذكر الموت للقلوب حياة للعمل : وعن أبي حازم قال : يا ابن آدم بعد الموت يأتيك الخير . ويروى عن علي رضى اللّه عنه قال « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » . وقد نظم هذا المعنى الحافظ العراقي فقال :وإنما الناس نيام من يمت * منهم أزال الموت عنه وسنهوروى أبو نعيم في الحلية : أن عمر بن عبد العزيز قال لميمون بن مهران يا ميمون ما أرى القبر إلا زيارة ، ولا بد للزائر أن يرجع إلى منزله : يعنى إلى الجنة أو النار . وعن رجاء بن حيوة قال : ذكر عمر بن عبد العزيز الموت يوما فقال يتمثل :ألم تر أن الموت أدرك من مضى * فلم ينج منه ذو جناح ولا ظفراعلم أن أوقع طريق في تحقيق ذكر الموت في القلب كما قاله حجة الإسلام الغزالي وغيره أن يكثر العبد ذكر أشكاله وأقرانه الذين مضوا قبله ، فيتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب ، ويتذكر صورهم الجميلة في مناصبهم وأحوالهم التي كانوا يتقلبون فيها ، ويتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم ، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم ، وكيف أرملوا نساءهم ، وأيتموا أولادهم ، وضيعوا أموالهم ، وخلت عنهم مساجدهم ومدارسهم ومجالسهم ، وانقطعت آثارهم ، فمهما تذكر رجلا وفصل في قلبه حاله وكيفية موته ، وتوهم صورته ، وتذكر نشاطه ، وتردده ، وأمله للعيش والبقاء ، ونسيانه للموت ، وانخداعه بموافقة الأسباب ، وركونه إلى القوة والثبات ، وميله إلى الضحك واللهو ، وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع ، وأنه كيف يتردد والآن قد تهدمت رجلاه ومفاصله ، وكيف كان ينطق والآن قد أكل الدود لسانه ، وكيف كان يضحك والآن قد أكل التراب أسنانه ، وأنه كيف كان يدبر لنفسه مالا يحتاج إلى عشر سنين في وقت لم يكن بينه وبين الموت إلا شهر وهو غافل عما يراد به حتى جاءه الموت في وقت لم يحتسبه فانكشفت له صورة الملك القابض للروح وهو عزرائيل عليه السّلام وقرع سمعه النداء إما بالجنة أو بالنار كما يشير اليه ما أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد اللّه بن عمرو « إذا توفى اللّه المؤمن أتته الملائكة بحريرة بيضاء ، فيقولون اخرجى إلى روح اللّه ، فتخرج كأطيب ريح المسك ، وأما الكافر فتأتيه ملائكة العذاب بمسح ، فيقولون اخرجى إلى غضب اللّه فتخرج كأنتن جيفة ، فعند ذلك ينظر العبد أنه مثلهم وغفلته كغفلتهم وستكون عاقبته كعاقبتهم » . قال أبو الدرداء رضى اللّه عنه : إذا ذكرت الموت فعد نفسك كأحدهم : وقال ابن مسعود رضى اللّه عنه : السعيد من وعظ بغيره .
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 429 | السيد احمد بن زيني دحلان