[ ذكر شئ مما يتعلق بسيدنا على كرم اللّه وجهه وما جاء عنه من ذم طول الأمل واتباع الهوى ]
والرّابع : القسوة بالقلب والنّسيان للآخرة ، لأنّك إذا أمّلت العيش الطويل لا تذكر الموت والقبر ، كما قال علىّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه :
شرح
« خط النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خطوطا ، فقال : هذا الانسان ، وهذا الأمل ، وهذا الأجل ، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب وهو أجله المحيط به » وهذا تنبيه منه صلّى اللّه عليه وسلّم على تقصير الأمل واستشعار الأجل خوف بغتته ومن غيب عنه أجله فهو حرى بتوقعه وانتظاره خشية هجومه عليه في حال غرة وغفلة ، فينبغي للعاقل أن يجاهد أمله وهواه فإن ابن آدم مجبول على الأمل وورد أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لا يزال قلب الكبير شابا في حب الدنيا وطول الأمل » وقال ابن عمر : رآني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا أصلح خصا : أي بيتا من القصب ، فقال : « ما هذا ؟
فقلت : خص لنا نصلحه ، فقال ما أرى الأمر إلا أقرب من ذلك » فعلم أن قصر الأمل أصل كل خير وطوله أصل كل شر ، فإن من لا يقدر في نفسه أنه يعيش غدا لا يسعى لكفايته ولا يهتم بها فيصير حرا من رق الحرص والطمع والذل لأبناء الدنيا ، ومن يقدر أنه يعيش عشر سنين مثلا يصير عبدا لهذه الأوصاف الذميمة ولا يكفيه شئ من الدنيا ، ولا يملأ عينه وبطنه إلا التراب كما جاء في الحديث ( والرابع ) هذا آخر الأمور الأربعة ( القسوة بالقلب ) لأنه يقال قسوة القلب من أربعة أشياء : أولها بطن ممتلئ . والثاني صحبة صاحب السوء . والثالث نسيان الذنوب الماضية .
والرابع طول الأمل فينبغي للمسلم أن يقصر أمله فإنه لا يدرى في أي نفس يموت ، وفي أي قدم يموت . قال اللّه تعالى« وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ » ،قال بعض المفسرين : بأي قدم يموت ، وفي آية أخرى« إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ » .وقال تعالى« فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ » *كما نبه عليه العلامة أبو الليث السمرقندي ( والنسيان للآخرة ، لأنك إذا أملت العيش ) أي الحياة ( الطويل لا تذكر الموت والقبر كما قال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ) ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المكي المدني الكوفي أمير المؤمنين ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكناه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا تراب فكان أحب ما ينادى به إليه ، وهو أخو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمؤاخاة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو السبطين وأول هاشمي ولد بين هاشميين وأول خليفة من بني هاشم ، وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو عنهم راض ، وأحد الخلفاء الراشدين ، وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين وأحد السابقين إلى الإسلام : أي من الصبيان . روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خمسمائة حديث وستة وثمانين حديثا ، اتفق البخاري ومسلم منها على عشرين ، وانفرد البخاري بتسعة ، ومسلم بخمسة عشر ، توفى بالكوفة ليلة الأحد التاسع عشر من شهر رمضان سنة أربعين ، كذا في سراج السالكين ، وذكر العلامة ابن حجر في الصواعق المحرقة أن سبب وفاته رضى اللّه عنه أنه لما