تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
فاعلم أنّك إذا طال أملك هاج لك منه أربعة أشياء : أحدها : ترك الطّاعة والكسل فيها ، تقول : سوف أفعل والأيّام بين يدىّ ولا يفوتني ذلك ، ولقد صدق داود الطّائىّ رحمه اللّه حيث قال : من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ، ومن طال أمله ساء عمله . وقال يحيى بن معاذ الرّازى ،
شرح
الأولين والآخرين علاجه ، ولا علاج له إلا الإيمان باليوم الآخر وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب ؛ ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا ، فان حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير ، فان رأى حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلها ، وإن أعطى ملك الأرض من المشرق إلي المغرب ، وكيف وليس عنده من الدنيا إلا قدر يسير مكدر منغص ، فكيف يفرح بها أو يترسخ في القلب حبها مع الإيمان بالآخرة إيمانا يقينا ، فنسأل اللّه تعالى أن يرينا الدنيا كما أراها الصالحين من عباده ، ولا علاج في تقدير الموت في القلب إلا أن يفرغ قلبه عن كل فكر سواه ويجلس في خلوة ويباشر ذكر الموت عميم قلبه ولا أنفع في ذلك مثل النظر إلى من مات من الأقران والأشكال ، وأنهم كيف جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوا ، ويتذكر مرضهم وأملهم وركونهم إلى الدنيا والجاه والمال ثم يذكر مصارعهم وتحسرهم على فوات العمر وتضييعه . أما من كان مستعدا لمجيئه فقد فاز فوزا عظيما ؛ وأما من كان مغرورا بطول الأمل فقد خسر خسرانا مبينا . هذا ، وإذا علمت ما ذكر ( فاعلم أنك إذا طال أملك هاج ) أي تحرك وانبعث ( لك منه ) أي من طول الأمل ( أربعة أشياء : أحدها ترك الطاعة والكسل ) بفتحتين : أي التثاقل عن الأمر ( فيها ) أي الطاعة ( تقول سوف أفعل ) كذا وكذا من الخير ( والأيام بين يدي ولا يفوتني ذلك ) أي فعل الطاعة ولا يدرى هذا المسكين المسوف أن الذي يدعوه إلي التسويف اليوم هو معه غدا ؛ وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخا ( ولقد صدق ) أبو سليمان ( داود ) بن نصير ( الطائي ) الكوفي ( رحمه اللّه ) توفى سنة ستين أو خمس وستين ومائة ( حيث قال : من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ، ومن طال أمله ساء عمله ) رواه أبو نعيم في الحلية ، فقال : حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه ، حدثنا محمد بن إسحاق « ح » وحدثنا أبو حامد أحمد ابن محمد بن الحسين ، حدثنا الحسين بن إسماعيل قالا : حدثنا محمد بن يحيى الأزدي ، حدثنا بشر ابن مصلح ، حدثنا أبو محمد صدقة الزاهد ، قال : خرجنا مع داود الطائي في جنازة بالكوفة قال : فقعد داود ناحية وهي تدفن فجاء الناس فقعدوا قريبا منه فتكلم فقال : من خاف الوعيد قصر عليه البعيد ، ومن طال أمله ضعف عمله ، وكل ما هو آت قريب . واعلم يا أخي أن كل شئ يشغلك عن ربك فهو عليك مشئوم ، واعلم أن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور إنما يندمون على ما يخلفون ويفرحون بما يقدمون ، فما ندم عليه أهل القبور أهل الدنيا عليه يقتتلون وفيه يتنافسون وعليه عند القضاة يختصمون ( وقال يحيى بن معاذ الرازي )