تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
فإنّه العائق عن كلّ خير وطاعة ، والجالب لكلّ شرّ وفتنة ، وإنّه الدّاء العضال الّذى يوقع الخلق في أنواع البليّات ،
شرح
وأكثر ما يستعمل فيما يبعد حصوله ، فمن عزم على سفر إلى بلد بعيد يقول : أملت الوصول ولا يقول طمعت إلا إن قرب منها ، فإن الطمع ليس إلا في التقريب والرجاء بين الأمل والطمع ، فإن الراجي قد يخاف أن لا يحصل مأموله ، ويقال لما في القلب مما ينال من الخير أمل ، ومن الخوف إيحاش ، ولما لا يكون لصاحبه ولا عليه خطر ، ومن الشر وما لا خير فيه وسواس . وقصره : حبس النفس عنه ، يقال : قصرت نفسي عن هذا الأمر : إذا لم يطمح إلى غيره ، وقصرت من طرفي : لم أرفعه إلى مكروه ( فإنه العائق ) أي المانع ( عن كل خير وطاعة ، والجالب ) أي الباعث ( لكل شر وفتنة وإنه ) أي طول الأمل ( الداء العضال ) أي الشديد الذي أعجز الأطباء ( الذي يوقع الخلق في أنواع البليات ) والمحن . واعلم أن طول الأمل له سببان : أحدهما : الجهل ، والآخر : حب الدنيا ، أما حب الدنيا فهو أنه إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها ثقل على قلبه مفارقتها ، فامتع قلبه عن الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها ، وكل من كره شيئا دفعه عن نفسه لا محالة ، والانسان مشغوف بالأمانى الباطلة فيمنى نفسه أبدا بما يوافق مراده وإنما يوافق مراده البقاء في الدنيا ، فلا يزال يتوهمه ويقدره في نفسه ويقدر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء ودواب وملابس وضياع وسائر أسباب الدنيا ، فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر موقوفا عليه وحبسا لديه ، فيلهو عن ذكر الموت فلا يقدر قربه ، فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد له سوّف ووعد نفسه ، وأصل هذه الأماني كلها حب الدنيا والأنس بها والغفلة عن معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم « إن روح القدس نفث في روعى : أحبب من أحببت فإنك مفارقه ، وعش ما شئت فإنك ميت ، واعمل ما شئت فإنك مجزى به » . وأما الجهل فهو أن الانسان قد يعول على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب وليس يتفكر المسكين أن مشايخ بلده لوعدوا لكانوا أقل من عشرة من رجال البلد وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب ، وقد يستبعد الموت لصحته ويستبعده فجأة ولا يدرى أن ذلك غير بعيد ، وإن كان ذلك بعيدا فالمرض فجأة غير بعيد ، وكل مرض فإنما يقع فجأة وإذا مرض لم يكن الموت بعيدا ؛ ولو تفكر هذا الغافل وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص لعظم استشعاره واشتغل بالاستعداد له ، ولكن الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا طلباه إلى طول الأمل وإلى الغفلة من تقدير الموت القريب ، وإذا عرفت أن سبب طول الأمل الجهل وحب الدنيا فعلاجه دفع سببه . أما الجهل فيدفع بالفكر الصافي من القلب الحاضر وبسماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة ، وأما حب الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد ، وهو الداء العضال الذي أعيا