وهو كتاب مستقلّ بنفسه عظيم الفائدة ولا ينتفع به إلّا فحول العلماء الرّسخون في العلم ،
شرح
أو يعطيك أحدهما بعد الآخر ، فإذا كان الكل منه فينبغي أن يعجبك جوده وفضله لا نفسك ، وأما إن كانت تلك الصفة من غيره فلا يبعد أن تعجب بتلك الصفة ، وهذا يتصور في حق الملوك في الدنيا ولا يتصور في حق الجبار القاهر ملك الملوك المنفرد باختراع الجميع المنفرد بايجاد الموصوف والصفة ، فإنك إن عجبت بعبادتك وقلت وفقني للعبادة لحبى له ، فيقال ومن خلق الحب في قلبك ؟
فستقول هو ، فيقال فالحب والعبادة كلاهما نعمتان من عنده ابتدأك بهما من غير استحقاق من جهتك إذ لا وسيلة لك ولا علاقة ، فيكون الإعجاب بجوده إذ أنعم بوجودك وبوجود صفاتك وبوجود أعمالك وأسباب أعمالك ؛ فإذا لا معنى لعجب العابد بعبادته ، وعجب العالم بعلمه ، وعجب الجميل بجماله ، وعجب الغنى بغناه ، لأن كل ذلك من فضل اللّه ومن إحسانه وجوده وكرمه ، وإنما هو محل لفيضان فضل اللّه وجوده واللّه أعلم ( وهو ) أي كتاب الإحياء الذي فيه شرح عجائب القلب وأسرار معاملات الدين وغيرهما ( كتاب مستقل بنفسه ) أي الكتاب الذي لم يسبق إليه ( عظيم الفائدة ولا ينتفع به ) أي الكتاب المنفرد ( إلا فحول العلماء ) أي رواتهم ، في محيط المحيط : الفحل الراوي ، والجمع فحول ، ويقال هم فحول : أي رواة ( الراسخون ) أي الثابتون ( في العلم ) أي علم الآخرة كما في نسخة ، وقد أثنى على كتاب الإحياء للمصنف عالم من علماء الاسلام وغير واحد من عارف الأنام ، بل جمع أقطاب وأفراد ، فقال فيه الحافظ الإمام الفقيه أبو الفضل العراقي في تخريجه : إنه من أجل كتب الاسلام في معرفة الحلال والحرام ، جمع فيه بين ظواهر الأحكام ونزع إلى سرائر دقت عن الأفهام ، لم يقتصر فيه على مجرد الفروع والمسائل ، ولم يتبحر في اللجة بحيث يتعذر الرجوع إلى الساحل ، بل مزج فيه علمي الظاهر والباطن ، ومزج معانيها في أحسن المواطن ، وسبك فيه نفائس اللفظ وضبطه ، وسلك فيه من النمط أوساطه مقتديا بقول على كرم اللّه وجهه : خير هذه الأمة النمط الأوسط يلحق بهم التالي ، ويرجع إليهم الغالي . قال بعض الأخيار في مدحه قصيدة طويلة منها :أيا طالبا شرح الكتاب وسنة * وقانون قلب القلب بحر الرقائق
عليك بإحياء العلوم ولبها * وأسرارها كم قد حوى من دقائق
كتاب جليل لم يصنف قبله * ولا بعده مثل له في الطرائقوقال النووي . كاد الاحياء أن يكون قرآنا . وقال الشيخ أبو محمد الكازروني : لو محيت جميع العلوم لاستخرجت من الإحياء ، وكان السيد الجليل كبير الشأن ، تاج العارفين ، وقطب الأولياء الشيخ عبد اللّه العيدروس رضى اللّه عنه يكاد يحفظه نقلا . وروى عنه أنه قال : مكثت سنين أطالع كتاب [ الإحياء ] كل فصل وحرف منه ، وأعاوده وأتدبره فيظهر لي منه في كل يوم علوم وأسرار عظمة ومفهومات غزيرة غير التي قبلها .