تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
شرح
عن النعمة كما حرمت في الدنيا عن النعمة فكأنك أردت زوال النعمة عنه فلم تزل عنه نعم كان للّه عليه نعمة إذ وفقك للحسنات فنقلتها إليه فأضفت نعمة إلى نعمة ، وأضفت إلى نفسك شقاوة إلى شقاوة . وأما منفعته في الدنيا فهو أن أغراض الخلق مساءة الأعداء وغمهم وشقاوتهم وكونهم معذبين مغمومين ، ولا عذاب أشد مما أنت فيه من ألم الحسد ، وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة وأن تكون في غم وحسرة بسببهم وقد فعلت بنفسك ما هو مرادهم ومتمناهم ، ولذلك لا يشتهى عدوك موتك بل يشتهى أن تطول حياتك ولكن في عذاب الحسد لتنظر إلى نعمة اللّه عليه فينقطع قلبك حسدا ، ولذلك قيل :لا مات أعداؤك بل خلدوا * حتى يروا فيك الذي يكمد لا زلت محسودا على نعمة * فإنما الكامل من يحسدففرح عدوك بغمك وحسدك أعظم من فرحه بنعمته ، ولو علم خلاصك من ألم الحسد وعذابه لكان ذلك أعظم مصيبة وبلية عنده ، فما أنت فيما تلازمه من غم الحسد إلا كما يشتهيه عدوك فإذا تأملت هذا عرفت أنك عدو نفسك وصديق عدوك إذا تعاطيك ما تضررت به في الدنيا والآخرة وانتفع به عدوك فيهما وصرت مذموما عند الخالق والخلائق شقيا في الحال والمآل ونعمة المحسود دائمة شئت أم أبيت ليس بيدك شئ ، ثم لم تقتصر على تحصيل مراد عدوك حتى وصلت إلي إدخال أعظم سرور علي إبليس الذي هو أعدى أعدائك ، لأنه لما رآك محروما من نعمة العلم والورع والجاه والمال الذي اختص به عدوك خاف أن تحب ذلك له فتشاركه في الثواب بسبب المحبة ، لأن من أحب الخير للمسلمين كان شريكا في الخير فخاف إبليس أن تحب ما أنعم اللّه به على عبده من صلاح دينه ودنياه فتفوز بثواب الحب فبغضه إليك حتى لا تلحقه بحبك كما لم تلحقه بعملك ؛ فانظر كيف حسدك إبليس ففوت عليك ثواب الحب ثم لم يقنع به حتى بغض إليك أخاك وحملك على الكراهة حتى أثمت ، وكيف لا وعساك تحاسد رجلا من أهل العلم وتحب فيه أن يخطئ يوما في مسئلة في دين اللّه تعالى وينكشف خطؤه ليفتضح بين الناس ، وتحب أن يخرس لسانه حتى لا يتكلم أو يمرض حتى لا يعلم ولا يتعلم ، وأي إثم يزيد على ذلك إذا تأملت فيه فليتك إذ فاتك اللحاق به ثم اغتممت بسببه سلمت من الإثم وعذاب الآخرة . وقد جاء في الحديث « أهل الجنة ثلاثة : المحسن : أي في عمله ، والمحب له ، والكاف عنه » أي من يكف عنه الأذى والحسد والبغض والكراهة ، فانظر كيف أبعدك إبليس عن جميع المداخل الثلاثة حتى لا تكون من أهل واحد منها البتة ، فقد نفذ فيك حسد إبليس وما نفذ حسدك في عدك بل على نفسك فهذه هي الأدوية العلمية ، فمهما تفكر الإنسان فيها بذهن صاف عن كدر الغش وقلب حاضر انطفأت نار الحسد في الحال ، وعلم أنه مهلك نفسه ، ومفرح عدوه ، ومسخط ربه ومنغص عيشه ومشيت حاله . وأما العمل النافع فيه فهو أن يحكم الحسد ، فكل ما يتقضاه الحسد من قول وفعل فينبغي أن يكلف نفسه نقيضه وضده ، فان بعثه الحسد على القدح في محسوده كلف لسانه المدح له والثناء عليه ، وإن حمله على التكبر عليه ألزم نفسه التواضع له والاعتذار إليه ، وإن بعثه على
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 414 | السيد احمد بن زيني دحلان