تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
شرح
يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم منك وتحذرين من أن تصغرى في أعين الناس ولا تحذرين من أن تصغرى عند اللّه والملائكة والنبيين فمهما كظم فينبغي أن يكظمه للّه . [ السادس ] أن يعلم أن غضبه من تعجبه من جريان الشئ على وفق مراد اللّه لا على وفق مراده فكيف يقول مرادي أولى من مراد اللّه ويوشك أن يكون غضب اللّه عليه أعظم من غضبه هذا ما يتعلق بالعلم . وأما العمل فأن تقول بلسانك : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، هكذا أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقال عند الغيظ . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إذا غضبت عائشة أخذ بأنفها وقال يا عويش قولي : اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي من مضلات الفتن » فيستحب أن تقول ذلك ؛ فإن لم يزل بذلك فاجلس إن كنت قائما واضطجع إن كنت جالسا وأقرب من الأرض التي منها خلقت لتعرف بذلك ذل نفسك واطلب بالجلوس والاضطجاع بالسكون ، فإن سبب الغضب الحرارة وسبب الحرارة الحركة ، فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن الغضب جمرة توقد في القلب ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه ، فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئا ، فإن كان قائما فليجلس ، وإن كان جالسا فلينم ، فإن لم يزل ذلك فليتوضأ بالماء البارد أو يغتسل ، فإن النار لا يطفئها إلا الماء » . فقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء فإنما الغضب من النار » . وفي رواية « إن الغضب من الشيطان ، وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء » . وعلاج الحسد الذي هو من الأمراض العظيمة للقلوب بالعلم والعمل . أما العلم فهو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين ، بل ينتفع به فيهما ، ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت الحسد لا محالة . أما كونه ضررا عليك في الدين ، فهو أنك بالحسد سخطت قضاء اللّه وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده وعدله الذي أقامه في ملكه بخفى حكمته فاستنكرت ذلك واستقبحته ، وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الإيمان ، وناهيك بهما جناية على الدين ، وقد انضاف إلي ذلك أنك غششت رجلا من المؤمنين وتركت نصيحته وفارقت أولياء اللّه وأنبياءه في حبهم الخير لعباده تعالى وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم ، وهذه خبائث تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب وتمحوها كما يمحو الليل النهار . وأما كونه ضررا عليك في الدنيا فهو أنك تتألم بحسدك في الدنيا أو تتعذب به ولا تزال في كمد وغم ، إذ أعداؤك لا يخليهم اللّه تعالى عن نعم يفيضها عليهم ، فلا تزال تتعذب بكل نعمة ترها وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم فتبقى مغموما محروما متشعب القلب ضيق الصدر قد نزل بك ما يشتهيه الأعداء لك فقد كنت تريد المحنة لعدوك فنجزت في الحال محنتك وغمك نقدا ، ومع هذا فلا تزول النعمة عن المحسود بحسدك . وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح . أما منفعته في الدين : فهو أنك مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساويه فهذه هدايا تهديها اليه : أعنى أنك بذلك تهدى إليه حسناتك حتى تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما