تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
شرح
كف الإنعام عليه ألزم نفسه الزيادة في الإنعام عليه ، فمهما فعل ذلك عن تكلف وعرفه المحسود طاب قلبه وأحبه ، ومهما ظهر حبه عاد الحاسد وأحبه ، وتولد من ذلك الموافقة التي تقطع مادة الحسد ، لأن التواضع وحسن الثناء والمدح وإظهار السرور بالنعمة يستجلب قلب المنعم عليه ويسترقه ويستعطفه ويحمله على مقابلة ذلك بالإحسان ، ثم ذلك الإحسان يعود إلى الأول فيطيب قلبه ويصير ما تكلفه أولا طبعا آخرا ، ولا يصدنه من ذلك قول الشيطان له فيما يوسوس إليه : لو تواضعت وأثنيت عليه حمله العدو على العجز منك أو على النفاق أو الخوف ، وأن ذلك مذلة ومهانة ، وذلك من خدع الشيطان ومكايده ، فإنما مقصود الشيطان أن تكون العداوة والبغضاء بين المسلمين على الأبد ، بل المجاملة على أي حال تكلفا كانت أو طبعا تكسر سورة العداوة من الجانبين وتكسر حدتها وتعود القلب إلى التألف والتحاب والتوادد ، وبذلك تستريح القلوب من ألم الحسد وغم التباغض ، فهذه هي أدوية الحسد علما وعملا ، وهي نافعة جدا إلا أنها مرة على القلوب جدا ولكن النفع في الدواء المر ، فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء . وأما العجب فعلاجه المعرفة المضادة لذلك الجهل ؛ لأن علة العجب الجهل المحض فلنفرض العجب بفعل داخل تحت اختيار العبد كالعبادة والصدقة والغزو وسياسة الخلق وإصلاحهم ، فإن العجب بهذا أبلغ من العجب بالجمال والقوة والنسب وكل ما لا يدخل تحت اختياره ولا يراه من نفسه ، فنقول : الورع والتقوى والعبادة والعمل الذي يعجب به من حيث إنه فيه فهو محله ومجراه أو من حيث إنه منه وبسببه وبقدرته وقوته ، فإن كان يعجب به من حيث إنه فيه وهو محله ومجراه يجرى فيه وعليه من جهة غيره ، فهذا جهل من المعجب ، لأن المحل إنما هو مسخر ومجرى لا مدخل له في الايجاد والتحصيل فكيف يعجب بما ليس فيه ولا مدخل له فيه وإن كان يعجب به من حيث هو منه وإليه باختياره حصل وبقدرته تم ، فينبغي أن يتأمل في قدرته وإرادته وأعضائه وسائر الأسباب التي بها يتم عمله أنها من أين كانت له وكيف تيسرت له ، فإن كان جميع ذلك نعمة من اللّه عليه من غير حق سبق له ومن غير وسيلة يدلي بها ، فينبغي أن يكون إعجابه بجود اللّه تعالى وكرمه وفضله إذ أفاض عليه مالا يستحقه وآثره به على غيره من غير سابقة ووسيلة يمن بها ، فمهما برز الملك لغلمانه ونظر إليهم وخلع من جملتهم على واحد منهم لا لصفة فيه ولا لوسيلة ولا لجمال ولا لخدمة ، فينبغي أن يتعجب المنعم عليه من فضل الملك وحكمه وإيثاره له من دونهم من غير استحقاق فإعجابه بنفسه من أين وما سببه ولم ينبغي أن يعجب هو بنفسه ، نعم يجوز أن يعجب العبد فيقول الملك حكم عدل لا يظلم ولا يقدم ولا يؤخر إلا لسبب خفى على مدركه ، فلو لا أنه تفطن في صفة من الصفات المحمودة الباطنة لما اقتضى الإيثار بالخلعة ولما آثرنى بها فيقال له وتلك الصفة أيضا هي من خلعة الملك وعطيته التي خصصك بها عن غيرك من غير وسيلة أو هي عطية غيره ، فإن كانت من عطية الملك أيضا لم يكن لك أن تعجب بها ، بل كان كما لو أعطاك فرسا فلم تعجب به فأعطاك غلاما فصرت تعجب به وتقول إنما أعطاني غلاما لأنى صاحب فرس فأما غيرى فلا فرس له ، فيقال وهو الذي أعطاك الفرس فلا فرق بين أن يعطيك الفرس والغلام معا
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 415 | السيد احمد بن زيني دحلان