( وَاتَّبَعَ هَواهُ ) *
فكان الميل واتّباع الهوى بقلبه فحمله على ذلك الذّنب المشئوم بنفسه أما تسمع قوله تعالى :
( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ )
ولهذا المعنى أيّها الرّجل خاف عباد اللّه تعالى الخواصّ على قلوبهم وبكوا عليها وصرفوا عنايتهم إليها ، قال اللّه سبحانه في وصفهم :
( يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ )
جعلنا اللّه وإيّاكم من المعتبرين بالعبر المهتمّين بمواضع الخطر الموفّقين لإصلاح قلوبهم بحسن النّظر ، إنّه أرحم الرّاحمين .
فإن قيل : إنّ أمر هذا القلب لمهمّ جدّا ، فأخبرنا عن المعاني الّتى تصلحه ، وعن الآفات الّتى تعترضه فتفسده
شرح
إلى الدنيا أو إلى السفلة ( واتبع هواه ) في إيثار الدنيا واسترضاء قومه وأعرض عن مقتضى الآيات ( فكان الميل ) أي ميل بلعم إلى الدنيا ( واتباع الهوى ) في إيثارها ( بقلبه فحمله ) الميل وأتباع الهوى ( على ذلك الذنب المشئوم ) الشؤم : ضد البركة ( بنفسه ، أما تسمع قوله تعالى :وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ )عن الحق فلا يفهمونه ( وأيصارهم ) فلا يبصرونه فلا يؤمنون بالآيات( كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ )أي بما أنزل من الآيات( أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ )أي تجاوزهم الحد بالكفر ( يعمهون ) أي وندعهم متحيرين لانهديهم من الهول ، أو تتقلب أحوالها فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه وتبصر الأبصار ما لم تكن تبصر ، أو تتقلب القلوب من توقع النجاة وخوف الهلاك والأبصار من أي ناحية يؤخذ بهم ويؤتى كتابهم ، كذا فسره البيضاوي ، والطغيان مصدر طغى يطغى طغيانا ، وطغيانا بكسر الطاء وضمها ، ولام طغى قيل ياء ، وقيل واو : يقال : طغيت وطغوت ، وأصل المادة مجاوزة الحد . ومنه « إنا لما طغى الماء » . والعمة : التردد والتحير ، وهو قريب من العمى إلا أن بينهما عموما وخصوصا ، لأن العمى يطلق على ذهاب ضوء العين ؟ وعلى الخطأ في الرأي ، والعمة لا يطلق إلا على الخطأ في الرأي ، يقال : عمه يعمه من باب طرب عمها وعمهانا فهو عمه وعامه ، كذا أفاده السمين ( ولهذا المعنى ) وهو سرعة انقلاب القلب وعظم زلته ( أيها الرجل ) السالك لطريق الأخرة ( خاف عباد اللّه تعالى الخواص على قلوبهم وبكوا عليها ) أي القلوب ( وصرفوا عنايتهم ) واهتمامهم ( إليها ) أي إلى مراعاة قلوبهم . ( قال اللّه سبحانه في وصفهم ) أي الخواص ( يخافون يوما تتقلب فيه ) أي في ذلك اليوم ( القلوب والأبصار ) وهو يوم القيامة ( جعلنا اللّه وإياكم ) جملة دعائية ( من المعتبرين بالعبر ) جمع عبرة ، وهي العظة يتعظ بها ( المهتمين ) والمجتهدين ( بمواضع الخطر ) أي الخوف ( الموفقين لإصلاح قلوبهم بحسن النظر ) والفكر ( إنه ) تعالى ( أرحم الراحمين ) وأكرم الأكرمين . ( فإن قيل إن أمر هذا القلب لمهم جدا فأخبرنا عن المعاني التي تصلحه ) أي القلب ( و ) أخبرنا ( عن الآفات التي تعترضه فتفسده ) أي تفسد الآفات هذا القلب