ليلا ونهارا لا تنقطع ولا أنت تقدر على منعها فتمتنع ، وليس بمنزلة العين الّتى بين الجفنان تغمّض فتستريح ، أو تكون في موضع خال أو ليل مظلم فتكفى رؤيتهما ، أو كالّلسان الّذى هو من وراء الحاجبين : الأسنان والشّفتين ، وأنت القادر على منعه وتسكينه ، بل القلب غرض للخواطر لا تقدر على منعها والتّحفّظ عنها بحال ، وهي لا تنقطع عنك بوقت ؛ ثمّ النّفس مسارعة إلى اتّباعها ، والامتناع عن ذلك في مجهود الطّاقة أمر شديد ومحنة عظيمة . والرّابع : أنّ علاجه عسير ، إذ هو غيب عنك فلا تكاد تشعر حتّى تدبّ فيه آفة وتحدث له حالة فتحتاج إلى أن تبحث عن ذلك أتمّ البحث بطول الجهد ودقيق النّظر وكثرة الرّياضة .
شرح
على القلب ( ليلا ونهارا لا تنقطع ولا أنت تقدر على منعها ) أي تلك الخواطر ( فتمتنع ) أي عنك ( وليس ) القلب ( بمنزلة العين التي بين الجفنين ) تثنية جفن : وهو غطاء العين من أعلاها وأسفلها وهو مذكر كما في المصباح ( تغمض ) وفي محيط المحيط غمض عينه : أطبق جفنيها ( فتستريح أو تكون ) أنت ( في موضع خال ) عن الناس وغيرهم ( أو ) تكون في ( ليل مظلم فتكفى رؤيتهما ) أي العيين ( أو كاللسان الذي هو من وراء الحاجبين ) يعنى بهما ( الأسنان والشفتين وأنت القادر على منعه وتسكينه ) أي اللسان ( بل القلب غرض ) بفتح الغين والراء : الهدف الذي يرمى إليه ( للخواطر لا تقدر على منعها ) أي الخواطر ( و ) لا تقدر على ( التحفظ عنها ) أي عن الخواطر الواردة على القلب ( بحال ) من الأحوال ( وهي لا تنقطع ) أي الخواطر ( عنك بوقت ) من الأوقات ( ثم النفس مسارعة إلى اتباعها ) أي الخواطر ( والامتناع عن ذلك ) أي عن اتباع النفس للخواطر ( في مجهود الطاقة ) الإضافة بيانية كما في سراج السالكين ( أمر شديد ومحنة ) أي مشقة ( عظيمة ) إلا على من يسره اللّه للتوفيق الخاص على ذلك . ( والرابع أن علاجه ) أي القلب ( عسير ) أي صعب ( إذ هو غيب ) أي خفى لا يطلع ( عنك ، فلا تكاد ) أي تقرب ( تشعر ) أي تعلم ( حتى تدب ) أي تمشى ( فيه ) أي في القلب آفة ) مهلكة ( وتحدث ) بضم الدال من باب دخل ( له ) أي للقلب ( حالة فتحتاج ) أنت ( إلى أن تبحث ) وتفحص ( عن ذلك ) أي عما في القلب من الآفة وغيرها ( أتم البحث بطول الجهد ) بالفتح : أي المشقة ( ودقيق النظر ) أي الفكر في ذلك ( وكثرة الرياضة ) أي رياضة النفس ، والرياضة مصدر راض . قال أهل اللغة :
هي استبدال الحال المذمومة بالحال المحمودة ، وقال بعض الحكماء : هي الإعراض عن الأغراض الشهوانية . وقيل الرياضة ملازمة الصلاة والصوم ومحافظته إناء الليل ، والنوم عن موجبات الإثم واللوم وسد باب النوم والبعد عن صحبة القوم . وقيل الرياضة عبارة عن تهذيب الأخلاق النفسية .