والثّانى : أنّ الشّغل له أكثر ، فإنّ العقل والهوى كلاهما فيه فهو معترك العسكرين : الهوى وجنوده ، والعقل وجنوده ، فهو أبدا بين محاربتهما وتقاتلهما وتناقضهما ، وحقّ بالثّغر أن يحرس ويحصن ولا يغفل عنه . والثّالث : أنّ العوارض له أكثر ، فإنّ الخواطر له كالسّهام لا تزال تقع فيه ، وكالمطر لا تزال تمطر عليه
شرح
وكان لك بيت بارد مظلل أكنت تساعد الناس أو تطلب لنفسك الخلاص ؟ فكيف تخالف الناس خوفا من حرّ الشمس ولا تخالفهم خوفا من حرّ النار ، فعند ذلك تميل النفس إلى قول الملك فلا يزال متردّدا بين الجندين متجاذبا بين الحزبين إلى أن يغلب علي القلب ما هو أولى به ، فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية من الجهل والطمع وحب الدنيا وغيرها غلب الشيطان وكانت تلك الصفات جندا له ومداخل إلى القلب ومال القلب بحكم الغلبة إلى جنسه من أحزاب الشياطين معرضا عن حزب اللّه تعالى وأوليائه ومساعدا لحزب الشيطان وأعدائه وجرى بسبب ذلك على أعضائه بسابق القضاء والقدر ما هو سبب بعده عن حضرة اللّه تعالى ، وإن كان الأغلب على القلب الصفات الملكية لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان وتحريضه إياه على العاجلة وتهوينه أمر الآجلة ، بل مال إلى حزب اللّه تعالى وظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه ، وأما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو حزب الشياطين فنادر من الجانبين قليل الوقوع . ( والثاني أن الشغل له ) أي للقلب ( أكثر ) من غيره ( فإن العقل والهوى كلاهما فيه ) أي في القلب . وقيل محل العقل الرأس ( فهو ) أي القلب ( معترك ) أي موضع حرب ( العسكرين :
الهوى وجنوده ) أي جنود الهوى وهي عشرة : الحسد ، والتجبر ، والعجب ، والكبر ، والغل ، والمكر ، والوسوسة ، والمخالفة في الأمر ، وسوء الظن ، والجدال ، كذا أفاده الهمداني ( والعقل وجنوده ) أي جنود العقل وتوابعه ، وهي سبع وعشرون : العلم ، والمعرفة ، والدراية ، والحكمة والذكاء ، والذهن ، والفهم ، والفطنة ، وجودة الخاطر ، وجودة الوهم والخيال والبديهة ، والرؤية والكياسة ، والخبرة ، وإصابة الظن والفراسة ، والزكاة « 1 » ، والكهانة ، ودقة النظر ، والرأي ، والتدبير وصحة الفكر ، وسرعة الذكر ، وجودة الحفظ ، والبلاغة ، والفصاحة ، وهذا العقل أساس لكل واحد منها ومطلع لأسرار معارفها كذا أفاده الزبيدي ( فهو ) أي القلب ( أبدا بين محاربتهما وتقاتلهما ) أي العسكرين ( وتناقضهما ) وفي نسخة : وتناضلهما ، ناضلة مناضلة نضالا ونيضالا كقيتال :
باراه في رمى السهم ( وحق بالثغر ) وهو ما يلي دار الحرب وموضع المخافة من فروج البلدان ( أن يحرس ويحصن ) أي الثغر وهما بالبناء للمفعول ، وكذا قوله رحمه اللّه ( ويغفل عنه ) أي عن ذلك الثغر . ( والثالث أن العوارض له ) أي للقلب ( أكثر فإن الخواطر له ) أي القلب ( كالسهام لا تزال تقع ) أي الخواطر ( فيه ) أي في القلب ( وكالمطر لا تزال تمطر ) أي الخواطر ( عليه ) أي
هامش
( 1 ) الزكانة : الظن أو العلم كما في القاموس اه .