شرح
التحريك والتغيير فإنك لا تريد أصبعك لشخصه ، بل لفعله في التقليب والترديد ؛ كما أنك تتعاطى الأفعال بأصابعك واللّه تعالى يفعل ما يفعله باستسخار الملك والشيطان ، وهما مسخران بقدرته في تقليب القلوب : أي جرها إلى خير أو شر ؛ كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملك ولقبول آثار الشيطان صلاحا متساويا بطرفيه ليس يترجح أحدهما على الآخر ، وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى والإكباب على الشهوات والإعراض عنها ، فإن اتبع الإنسان مقتضى الغضب والشهوة ظهر تسليط الشيطان بواسطة الهوى وصار القلب عش الشيطان ومعدنه ، وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه بأن تنصل عنها واسترذلها وتشبه بأخلاق الملائكة عليهم السّلام صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم . قال حجة الإسلام وغيره : إن القلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة :
[ أحدها ] قلب عمر بالتقوى وزكا بالرياضة وطهر عن خبائث الأخلاق تنقدح فيه خواطر الخير ، وهي التي ترد من اللّه تعالى بواسطة الملائكة من خزائن الغيب ومداخل الملكوت الأعلى فينصرف العقل إلى التفكر فيما خطر له ليعرف دقائق الخير فيه ويطلع على أسرار فوائده فينكشف له بنور البصيرة وجهه ويتبين له أمره فيحكم بأنه لا بد من فعله فيستحثه عليه ويدعوه إلى العمل به ، وهذا القلب هو المتطلع إلى الروح العلوي الميال إليه ، وهو القلب المؤيد الذي ورد فيه أنه أجرد فيه سراج يزهو فينظر الملك إلى هذا القلب فيجده طيبا في جوهره طاهرا بتقواه مستنيرا بضياء العقل معمورا بأنوار المعرفة مغمورا بأنوار اليقين فيراه صالحا لأن يكون له مستقرا ومهبطا لتنزلاته ، فعند ذلك يمده بجنود معنوية لا ترى وبهداية إلى خيرات أخرى تتراءى حتى ينجر الخير إلى الخير وهلم جرا كذلك على الدوام ولا يتناهى إمداده بالترغيب في الخير في كل لحظة وبتيسير الأمر عليه في كل حركة وسكون ، وإليه الإشارة بقوله تعالى« فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى »فالإعطاء إشارة إلى تزكية العمل . والاتقاء هو عمارة القلب بالتقوى ، والتصديق بالحسنى هو التطهر عما يضاد الأخلاق المحمودة .
[ القلب الثاني ] القلب المخذول المضاد للتوفيق المشحون بالهوى المدنس بالأخلاق المذمومة مثل الجهل والطمع وحب الدنيا وغيرها ، المفتوح فيه أبواب الشياطين ، المسدود عنه أبواب الملائكة ، ومبدأ الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويهجس فيه ، لأن كل قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه : خواطر الهوى ، وهي الجهل ، والطمع ، وحب الدنيا ، ثم يضعف خاطر الهوى ويقوى على قدر ضعف هذه الثلاثة وقوتها ، ويظهر خاطر الهوى في القلب على قدر تمكن هذه الثلاثة من النفس وخفائها فبعد ذلك ينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتى منه ويستكشف وجه الصواب فيه فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى وأنس به واستمر على استنباط الحيل في موافقة الهوى ومساعدته فتسول النفس وتزين وتساعد عليه ، وذلك لأن بين القلب والنفس منازعات ومحادثات وترددا وتألفا فيكون أنسه بالهوى إنما هو بتسويل النفس له من قول أو فعل فيواقعها أحيانا فتزوم عليه النفس من نواحيه وتحسن له تلك الموافقة ، وحينئذ ينشرح الصدر بالهوى وتنبسط